أزمة التنقل في طنجة.. لماذا يضيع المواطن جزءاً من يومه في الطريق؟
حين تتسارع المدينة، ويبقى المواطن عالقاً في طوابير الانتظار
في طنجة، لم يعد التنقل مجرد وسيلة للوصول إلى العمل أو الدراسة، بل أصبح معركة يومية مع الوقت والازدحام، يدفع المواطن ثمنها من راحته وأعصابه ووقته الخاص. دقائق تتحول إلى ساعات، ومواعيد تتأخر، ويوم يبدأ بالتوتر قبل أن تبدأ تفاصيله الفعلية. وهنا يبرز سؤال يتجاوز حركة السير إلى جوهر التدبير الحضري: كيف لمدينة تتوسع عمرانياً واقتصادياً أن تعجز عن ضمان تنقل سلس ومريح لجزء من سكانها؟
لا يحتاج المرء إلى دراسة ميدانية معقدة ليدرك حجم الإشكال؛ يكفي النظر إلى بعض المحاور والأحياء التي تكشف، كل بطريقتها، عن اختلال العلاقة بين التوسع الحضري وحاجيات السكان.
ففي بئر الشفاء، على مستوى المقطع الممتد بين وكالة أمانديس ومدار البنك الشعبي بشارع المملكة العربية السعودية، تحدثت تقارير محلية عن اختناقات متكررة ترتبط بالتوقفات العشوائية وغياب فضاءات كافية ومهيأة لتوقف بعض وسائل النقل. هنا لا يعود المشكل مرتبطاً فقط بكثرة السيارات، بل أيضاً بمدى احترام قانون السير، وفعالية المراقبة، وطريقة تنظيم محطات الوقوف والصعود والنزول.
أما في مغوغة الصغيرة، فالمشكلة تتخذ وجهاً آخر؛ إذ نقلت تقارير محلية في شتنبر 2025 شكاوى السكان من ضعف الربط بالنقل الحضري، وما يترتب عنه من صعوبات في الوصول إلى العمل والمؤسسات التعليمية. وفي مثل هذه الحالات، لا يصبح المواطن متضرراً من الازدحام فحسب، بل من محدودية الخيارات المتاحة أمامه أصلاً. فماذا يعني أن تكون لك وظيفة أو مقعد دراسي، بينما يظل الوصول إليهما رهيناً بتوفر وسيلة نقل مناسبة؟
وفي مسنانة وبني مكادة والعوامة، يبرز تحدي الربط بين الأحياء ذات الكثافة السكانية والمراكز الإدارية والاقتصادية والتعليمية. وقد سلطت تقارير صحفية الضوء على الصعوبات التي تواجه بعض خطوط النقل العمومي التي تخدم هذه المناطق، وعلى لجوء مواطنين إلى وسائل نقل غير نظامية بحثاً عن بدائل أكثر توافراً. وهذه الظاهرة، مهما كانت دوافعها الاجتماعية، تطرح سؤالاً أساسياً: هل يوفر النقل العمومي خدمة تجعل المواطن يختاره عن اقتناع، أم يتركه أحياناً أمام خيارات محدودة يفرضها واقع الضرورة؟
وعلى مستوى مغوغة والمناطق الصناعية المجاورة، تتداخل حركة العمال مع حركة الشاحنات والسيارات ووسائل نقل المستخدمين. ويكشف الاهتمام بإنجاز منشآت طرقية على المحاور الرابطة بين مغوغة ومشلاوة عن حجم الضغط الذي تعرفه هذه المسالك. غير أن تحسين البنية الطرقية، على أهميته، لا ينبغي أن يكون الحل الوحيد؛ لأن الطريق الأكثر اتساعاً قد يستوعب حركة أكبر، لكنه لا يعالج بالضرورة جذور الأزمة إذا ظلت أعداد كبيرة من المواطنين مضطرة إلى التنقل في الوقت نفسه، ومن المناطق نفسها، وبوسائل محدودة.
هذه الأمثلة ليست مجرد تفاصيل متفرقة، بل تعكس إشكالاً أعمق في تدبير المدينة: التوسع العمراني لا تكون له قيمة كاملة إذا لم تواكبه خدمات نقل تتناسب مع عدد السكان وامتداد الأحياء وتوزيع فرص العمل والدراسة. فالمدينة ليست بنايات وطرقاً ومدارات فقط، بل شبكة من العلاقات اليومية التي تربط الإنسان بعمله ومدرسته ومستشفىه وأسرته.
ومن منظور فلسفي، فإن الوقت ليس تفصيلاً هامشياً في حياة الإنسان؛ إنه الجزء الذي لا يمكن استرجاعه من عمره. حين يقضي عامل ساعات إضافية في الطريق، فهو لا يخسر مجرد مدة زمنية، بل يخسر جزءاً من راحته وقدرته على قضاء الوقت مع أسرته. وحين يتأخر طالب بسبب اضطراب النقل، فإن المسألة لا تتعلق بمشكلة لوجستية فحسب، بل بمدى تكافؤ الفرص بين من يملك وسيلة نقل خاصة ومن يعتمد على خدمة عمومية قد لا تستجيب دائماً لحاجياته.
والمفارقة أن المواطن قد يجد نفسه مطالباً باحترام مواعيده المهنية والدراسية بدقة، بينما لا يملك السيطرة الكاملة على شروط وصوله إليها. إنه يتحمل مسؤولية التأخر، حتى عندما تكون أسباب التأخر خارج إرادته. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل من العدل أن يتحمل الفرد وحده كلفة اختلالات تتجاوز قدرته على التحكم فيها؟
إن معالجة أزمة التنقل في طنجة تقتضي رؤية تتجاوز الحلول الظرفية. المطلوب هو تقوية أسطول النقل العمومي وتحسين انتظامه، وتطوير الربط بين الأحياء الطرفية ومراكز العمل والدراسة، وتنظيم نقاط توقف الحافلات وسيارات الأجرة، وفرض احترام قواعد السير، إلى جانب تخطيط عمراني يراعي توزيع الخدمات وتقريبها من السكان. كما ينبغي تقييم المشاريع ليس فقط بعدد الطرق والمنشآت المنجزة، بل بمدى ما توفره من وقت للمواطن وتحسن ملموس في حياته اليومية.
فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بسرعة تشييد المباني ولا بحجم الاستثمارات وحدهما، وإنما أيضاً بقدرة الإنسان على العيش داخل مدينته دون أن يتحول التنقل إلى عبء يومي يستنزف طاقته. ومن حق سكان طنجة أن يستفيدوا من تطور مدينتهم في تفاصيل حياتهم البسيطة: الوصول إلى العمل في الوقت المناسب، والعودة إلى المنزل دون إنهاك، والتنقل بين الأحياء بكرامة وأمان.
إن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً أمام كل مسؤول عن تدبير المدينة ليس فقط: كم طريقاً أنجزنا؟ بل أيضاً: كم ساعة أعدنا إلى حياة المواطنين؟ لأن المدينة التي تكسب المسافة وتخسر وقت الإنسان لم تحل معضلة التنقل كاملة؛ بل ربما اكتفت بنقل الاختناق من مكان إلى آخر، بينما يظل المواطن هو الحلقة التي تتحمل الكلفة الأكبر.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!