حين يذكّرنا خصمٌ بواجبنا: تصريح رئيس سبتة واختبار “السرعتين” قبل صناديق الاقتراع
في جملةٍ واحدةٍ مشحونةٍ بالمكر السياسي، اختصر رئيس حكومة مدينة سبتة المحتلة، خوان خيسوس فيفاس، ما يريد قوله للرباط: مَن يقدر على تنظيم كأس العالم، عليه أولاً أن يرعى أطفاله. عبارةٌ تبدو في ظاهرها دفاعاً عن القاصرين المغاربة غير المصحوبين الذين تختنق بهم مراكز الإيواء في المدينة، لكنها في عمقها رصاصةٌ سياسية موجّهة نحو صورة المغرب الدولية الصاعدة، تُقابل بين طموحٍ رياضيّ عالميّ يتقاسم فيه المغرب تنظيم مونديال 2030 مع إسبانيا والبرتغال، وبين التزامٍ اجتماعيّ تجاه المواطن الصغير الذي يركب البحر هرباً من هامشٍ منسيّ.
لن نمنح فيفاس أكثر مما يستحق. فالرجل لا يتكلّم من موقع القلق على أطفالنا، بل من موقع رجلٍ محاصَرٍ في معركةٍ إسبانية داخلية. تصريحه يأتي في سياق سلسلة مواقف تصعيدية أطلقها منذ موجة العبور الأخيرة، وجّه فيها سهامه أساساً إلى حكومة بيدرو سانشيز، متّهماً مدريد بـ”السلبية”، ومهدِّداً بنقل الملف إلى مؤسسات الدولة والقضاء الإسباني. إنه يوظّف القاصرين المغاربة كورقة ضغطٍ في صراعٍ حزبيٍّ بين يمينٍ معارضٍ ويسارٍ حاكم، تماماً كما وظّف من قبل ملف الهجرة برمّته. من يجعل من مأساة الأطفال منبراً انتخابياً في مدينةٍ محتلة، ليس في موقعٍ أخلاقيٍّ يخوّله إعطاء الدروس لأحد.
لكنّ المرآة، وإن جاءت من يدٍ معادية، تبقى مرآة
هنا تحديداً يكمن الفخّ الذي ينبغي ألّا نقع فيه: أن ننشغل بالردّ على الرسول فننسى الرسالة. صحيحٌ أن التصريح مغرضٌ ومسيّس، لكنه يلامس — رغماً عنه — سؤالاً يؤرقنا نحن قبل غيرنا: لماذا لا يزال أبناؤنا يغامرون بأرواحهم في مياه المضيق بحثاً عن أفقٍ لم يجدوه في أرضهم؟ إن أخطر ما في المقارنة التي عقدها فيفاس ليس ظلمها، بل الجزء الصغير الصادق فيها. فالمغرب الذي يبني الملاعب والقطارات فائقة السرعة والموانئ العملاقة، هو نفسه المغرب الذي يهرب من بعض دواويره وأحيائه الهامشية أطفالٌ قاصرون. المفارقة ليست في الطموح، فالطموح مشروع ومطلوب؛ المفارقة في المسافة بين مغربَين يعيشان على الأرض نفسها بسرعتين مختلفتين.
وهذا بالضبط ما نبّه إليه جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش الأخير حين قال بوضوحٍ لا يقبل التأويل: «لا مكان اليوم ولا غداً لمغرب يسير بسرعتين». لم تكن تلك مجرّد عبارة بلاغية، بل تشخيصٌ سياسيٌّ صريح لاختلالٍ بنيوي: مغربٌ للمراكز الحضرية المستفيدة من الدينامية الاقتصادية، ومغربٌ للهوامش القروية والحضرية التي تكابد الفقر والهشاشة وضعف البنيات الأساسية. الدعوة الملكية إلى الانتقال من المقاربات الاجتماعية التقليدية إلى تنميةٍ مجالية مندمجة، هي في جوهرها دعوةٌ إلى توحيد السرعة، حتى تشمل ثمار التقدم كل المواطنين دون تمييزٍ أو إقصاء.
من الردّ الدبلوماسي إلى العمل الداخلي
الردّ الرسمي على استفزازات فيفاس ضروريٌّ ومطلوب، وقد بادرت الرباط فعلاً إلى تأكيد التزامها باستعادة القاصرين المغاربة، محمّلةً السلطات الإسبانية مسؤولية العراقيل القضائية والإدارية التي تؤخّر العملية. لكن الردّ الأبلغ، والأكثر كرامةً، ليس بيان استنكارٍ ولا تصريحاً مضاداً؛ إنه أن نُفرغ تصريح الرجل من مضمونه بالفعل لا بالكلام. أفضل جوابٍ على من يعايرنا بأطفالنا، هو أن نصنع مغرباً لا يضطر فيه طفلٌ إلى الهروب. أن نجعل الاستفزاز نفسه بلا معنى، لأن الواقع كذّبه.
وهنا يبرز الغائب الأكبر عن المشهد: النخب السياسية. فبينما ينشغل خصومنا بتوظيف ملفاتنا الداخلية ضدنا، أين مشاريع أحزابنا الحقيقية في معالجة الأسباب العميقة لهجرة القاصرين؟ أين البرامج التي تربط بين طموح مغرب 2030 وبين المدرسة العمومية في القرية، والمستشفى في المدينة الصغيرة، وفرصة الشغل للشاب الذي لا يريد سوى أن يعيش بكرامة في بلده؟ إن الفارق بين نخبةٍ حيّة ونخبةٍ متكلّسة هو الفارق بين من يرى في تصريح فيفاس فرصةً للمراجعة، ومن يراه مجرّد مناسبةٍ لبيان تشجبٍ عابر يُنسى بعد ساعات.
الانتخابات: لحظة الحقيقة لا لحظة الشعارات
وتزداد المسؤولية جسامةً ونحن على بُعد أسابيع قليلة من محطةٍ مفصلية: الانتخابات التشريعية المقرَّرة يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026. هذه ليست انتخاباتٍ عادية؛ إنها اختبارٌ لأهلية الفاعلين السياسيين على تدبير استحقاقاتٍ إستراتيجية كبرى، من إنجاح التنظيم المشترك للمونديال، إلى ترسيخ دعائم الدولة الاجتماعية، إلى ردم الفوارق المجالية التي حذّر منها الخطاب الملكي.
المطلوب من الأحزاب المتنافسة أن تتجاوز لغة الوعود المستهلكة. فمعالجة ملف القاصرين غير المصحوبين ليست شأناً أمنياً أو دبلوماسياً فحسب، بل هو المؤشر الأصدق على نجاح أو فشل النموذج الاجتماعي برمّته. حين يهرب طفلٌ من بلده، فذلك حكمٌ صامتٌ على سياساتٍ عمومية لم تصل إليه. لذلك، فإن أيّ برنامجٍ انتخابيٍّ لا يضع العدالة المجالية والتنمية المندمجة في صلبه، وأيّ مرشحٍ يكتفي بالتنديد بسبتة دون أن يقدّم تصوّراً لتوحيد سرعتَي المغرب، إنما يمنح خصوم الوطن حجّتهم على طبقٍ من ذهب.
خلاصة
تصريح رئيس سبتة، على استفزازيته، يجب أن يُقرأ كتنبيهٍ لا كإهانة. فالكرامة الوطنية لا تُصان بالغضب وحده، بل تُبنى في المدرسة والمستشفى والمعمل وفي كل سياسةٍ تُقرّب المسافة بين المغربَين. أنبل ردٍّ على من يعيّرنا بأطفالنا، هو أن نبني وطناً يبقى فيه الطفل. وأصدق تفعيلٍ لتوجيهات جلالة الملك بتوحيد السرعة، هو أن تنتقل النخب — بدءاً من صناديق 23 شتنبر — من منطق ردّ الفعل إلى منطق المبادرة، ومن بلاغة الشعار إلى صرامة الإنجاز. حينها فقط، سيصبح تصريحٌ كتصريح فيفاس مجرّد صدىً بلا أثر، لأن الوقائع ستكون قد سبقته إلى الجواب.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!