إدمان الشباب في المغرب..

إدمان الشباب في المغرب..

حين تتحول الرغبة في الهروب إلى معركة مع الذات

 

ليس الإدمان دائماً بحثاً عن اللذة، فقد يكون أحياناً محاولة للهروب من الألم، أو وسيلة مؤقتة لإسكات القلق، أو ملاذاً يلجأ إليه الإنسان حين يعجز عن مواجهة واقع يثقل كاهله. وفي المغرب، يطرح إدمان الشباب سؤالاً يتجاوز حدود الاستهلاك الفردي للمخدرات، ليصل إلى طبيعة البيئة الاجتماعية والنفسية التي ينشأ فيها الشاب، وإلى مدى قدرته على إيجاد بدائل تمنحه الأمل والانتماء والشعور بقيمة الذات.

فالشباب مرحلة يفترض أن تكون مساحة لاكتشاف الإمكانات وبناء المستقبل، لكنها قد تتحول لدى بعضهم إلى مرحلة من التيه والضغط النفسي، خصوصاً حين تتسع الفجوة بين الطموحات الشخصية والفرص المتاحة.

ماذا تقول الأرقام عن الإدمان في المغرب؟

تشير معطيات منشورة على الموقع الرسمي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى أن نسبة استعمال المخدرات لدى السكان الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة فما فوق وصلت إلى 4.1%، أي ما يعادل نحو 800 ألف شخص، بينما قُدّرت نسبة من يعانون من الاعتماد على هذه المواد بـ2.8%. غير أن هذه الأرقام تعود إلى معطيات سابقة منشورة على الموقع، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها تقديراً حديثاً محيناً لعام 2026. 

وفي ما يتعلق بالمراهقين، أظهرت دراسة وطنية حول استعمال المواد ذات التأثير النفسي لدى التلاميذ، أُنجزت سنة 2021، أن 5.8% من المتمدرسين الذين شملهم البحث سبق لهم استعمال القنب الهندي مرة واحدة على الأقل خلال حياتهم. وبلغت النسبة 10.4% لدى الذكور مقابل 2.1% لدى الإناث. كما أفاد 3.4% من المشاركين باستعماله خلال الثلاثين يوماً السابقة للاستطلاع. 

وتكشف هذه الأرقام أهمية الوقاية المبكرة، لكنها لا تعني أن كل من جرّب مادة مخدرة أصبح مدمناً؛ فالتجربة والاستهلاك المتكرر والاعتماد المرضي حالات مختلفة، ولكل منها شروطها ومخاطرها.

لماذا يقع بعض الشباب في فخ الإدمان؟

لا يمكن اختزال الإدمان في ضعف الإرادة أو سوء الاختيار، لأن الظاهرة تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وبيولوجية.

أول هذه العوامل هو الهشاشة النفسية؛ فقد يلجأ بعض الشباب إلى المواد المخدرة أو غيرها من السلوكيات الإدمانية لمحاولة تخفيف القلق أو الحزن أو آثار التجارب المؤلمة، قبل أن يتحول السلوك الذي بدأ بوصفه وسيلة للهروب إلى مشكلة يصعب التحكم فيها.

كما تلعب البطالة، والانقطاع عن الدراسة، وضعف الأنشطة الثقافية والرياضية، وغياب فضاءات آمنة للتعبير عن المشكلات النفسية، دوراً محتملاً في زيادة الهشاشة لدى بعض الفئات. ولا يعني ذلك أن الفقر أو البطالة يؤديان حتماً إلى الإدمان، بل إن اجتماع عوامل متعددة قد يرفع مستوى الخطر.

مظاهر الإدمان وآثاره

تختلف مظاهر الإدمان بحسب المادة أو السلوك، لكنها قد تشمل فقدان السيطرة على الاستهلاك، وتكراره رغم العواقب السلبية، وإهمال الدراسة أو العمل، وتراجع العلاقات الأسرية، واضطرابات النوم والتركيز، إضافة إلى مشكلات صحية ونفسية متفاوتة الخطورة.

ولا تتوقف الخسائر عند الشخص المعني، بل قد تمتد إلى الأسرة التي تجد نفسها أمام صراع بين الرغبة في المساعدة والخوف من تفاقم الوضع. أما المجتمع، فيتحمل تكاليف صحية واجتماعية واقتصادية يمكن الحد منها بالتدخل المبكر والعلاج المناسب.

تبدأ المواجهة من تغيير النظرة إلى الإدمان، باعتباره مشكلة صحية واجتماعية تحتاج إلى الوقاية والعلاج، لا إلى الوصم والإقصاء فقط.

ويتطلب ذلك تعزيز برامج التوعية داخل المؤسسات التعليمية، وتسهيل الوصول إلى خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان، ودعم الأسر في اكتشاف العلامات المبكرة، إلى جانب توسيع فرص المشاركة في الرياضة والفنون والتكوين المهني.

كما أن توفير فرص الشغل والأنشطة المنتجة، وإشراك الشباب في المبادرات المحلية، يمكن أن يمنحهم بدائل واقعية لبناء الهوية والشعور بالإنجاز. وتظل سرية العلاج واحترام كرامة الأشخاص شرطين أساسيين لتشجيعهم على طلب المساعدة 

إن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا يدمن بعض الشباب؟ بل أيضاً: ما الذي يجعل الهروب يبدو لهم أحياناً أسهل من مواجهة الحياة؟

فالمجتمع الذي يريد حماية شبابه لا يكفيه أن يحذّرهم من المخاطر، بل عليه أن يوفر لهم أسباباً حقيقية للتمسك بالمستقبل. فكل شاب يحتاج إلى فرصة، وإلى من يصغي إليه قبل أن يبحث عن وسيلة لإسكات ألمه.

طنجة الأخبار
بقلم:

طنجة الأخبار

طنجة الأخبار طنجة الأخبار جريدة إلكترونية مغربية و موقع إخباري شامل ومستقل، تعرفوا على آخر الأخبار من المغرب والعالم عبر موقعنا

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك