ارتفاع الأسعار.. الحل في يد الشعب لا الحكومة

ارتفاع الأسعار.. الحل في يد الشعب لا الحكومة

في كل صباح يفتح فيه المواطن المغربي محفظته أمام رفوف السوق، يصطدم بحقيقة مؤلمة لا تحتاج إلى إحصاءات: السلع ترتفع، والقدرة الشرائية تتآكل، والأجور تقف في مكانها. ويتساءل الناس في كل مرة: أين الحكومة؟ متى تتدخل؟ متى تُخضع التجار وتُعيد الأسعار إلى ما كانت عليه؟

لكن هذا السؤال، رغم مشروعيته العاطفية، يحمل في طياته وهمًا كبيرًا: وهم أن الحكومة هي المفتاح الوحيد لأسواقنا.

التاريخ الاقتصادي يقول غير ذلك. والتجربة المغربية الحديثة بالذات تقدم شاهدًا حيًا لا يقبل الدحض على أن الشعب، حين يُدرك قوته الجماعية كمستهلك، يملك من أدوات التغيير ما لا تملكه أي وزارة.

أولًا: كيف تُصنع الأسعار فعلًا؟

قبل الحديث عن الحلول، لا بد من فهم الآلية. الأسعار لا تُحدَّد في غرف مغلقة بقرارات تعسفية فحسب — وإن كان الاحتكار حاضرًا في بعض القطاعات — بل تتشكّل أساسًا من معادلة بسيطة لا تتغير:

كلما زاد الطلب على سلعة مع ثبات العرض أو شُحّه، ارتفع سعرها. وكلما تراجع الطلب، انكسر السعر.

هذه ليست نظرية أكاديمية جامدة في كتب الاقتصاد، بل هي القانون الذي يعيد رسم الأسعار يوميًا في كل سوق، من درب السلطان في الدار البيضاء إلى أسواق طنجة وتطوان. والتاجر الذي يرفع السعر لا يفعل ذلك لأنه شرير بالضرورة، بل لأن المستهلك أمامه يشتري رغم الغلاء وهذا هو الإذن الضمني الذي يمنحه إياه كل يوم.

ثانيًا: درس نظام الطيبات حين أسقط الناس السعر دون أن يعلموا

لعل أبلغ مثال على قوة المستهلك الجماعي، ما جرى في المغرب وعموم العالم العربي إثر الانتشار الواسع لما عُرف بـ «نظام الطيبات"، الذي صممه الطبيب المصري ضياء الدين العوضي.

يقوم هذا النظام الغذائي في جوهره على تقسيم الأطعمة إلى صنفين: "طيبات" مسموح بها، و"خبائث" محرّمة. ومن أبرز ما يُدرجه في قائمة المحرمات: البيض بجميع أشكاله، والدواجن كالدجاج والديك الرومي كليًا. فأقبل الملايين من متبعي هذا النظام على التخلي عن البيض والدجاج في وجباتهم اليومية، لا مقاطعةً واعية منظمة، بل انصياعًا لقواعد نظام غذائي يؤمنون به.

والنتيجة؟ انهار سعر البيضة الواحدة انهيارًا ملحوظًا حتى عادت إلى ما دون الخمسين سنتيمًا، وتراجعت أسعار الدجاج بشكل لافت دون أن تصدر وزارة واحدة مرسومًا، ودون أن يُعقد اجتماع حكومي واحد حول الموضوع.

هذا المثال ليس استثناءً طريفًا في هامش التاريخ الاقتصادي. إنه القانون ذاته يعمل أمامنا بعيون مفتوحة: حين تراجع الطلب الجماعي، ولو بدافع غذائي لا سياسي، أصلح السوق نفسه بنفسه. فكيف لو كان القرار واعيًا ومنظمًا؟

ثالثًا: المقاطعة المغربية 2018 حين تكلّم المستهلك بصوت عالٍ

لا يحتاج المغربي إلى أن يذهب بعيدًا في التاريخ ليجد شاهدًا على قوته. ففي ربيع 2018، أطلق مواطنون مغاربة عاديون عبر الفضاء الرقمي حملة مقاطعة طالت ثلاث علامات تجارية كبرى فلم تكن هناك أحزاب سياسية تقود الحملة، ولا نقابات تنظّمها، ولا حكومات تدعمها. كان مجرد قرار شعبي صامت: لن نشتري ، والنتيجة كانت زلزالًا اقتصاديًا حقيقيًا؛ تراجعت مبيعات الشركات المعنية بشكل حاد، واضطرت بعضها إلى مراجعة أسعارها وإعادة حساباتها. وكشفت المقاطعة عن هشاشة احتكارات ظنّت نفسها راسخة لا تتزعزع.

الدرس الذي علّمته تلك المقاطعة: المستهلك المنظَّم أقوى من أي لجنة تسعيرة.

رابعًا: لماذا تعجز الحكومة وحدها عن كبح الغلاء؟

لا يعني هذا الكلام تبرئة الحكومة من مسؤولياتها. فالدولة مطالبة حقًا بمحاربة الاحتكار، وتفعيل قوانين المنافسة، ومراقبة أسواق السلع الأساسية. غير أن ثمة قيودًا هيكلية تجعل الحكومة عاجزة عن كبح الغلاء منفردة:

أولًا محدودية الأدوات: الدعم الحكومي للأسعار مكلف ماليًا ولا يستمر إلى ما لا نهاية، وكثيرًا ما يستفيد منه الأثرياء أكثر من الفقراء.

ثانيًا ضعف الرقابة الميدانية: مفتشو الأسواق لا يستطيعون الحضور في كل دكان وكل سوق أسبوعي في المغرب الواسع.

ثالثًا تشابك المصالح: شبكات التوزيع والوساطة والاستيراد تضم أطرافًا ذات نفوذ، وفرض الأسعار عليها معركة سياسية واقتصادية شائكة.

رابعًا المتغيرات الدولية: جزء من الغلاء مرتبط بأسعار عالمية — الطاقة، القمح، زيت الطعام — لا تملك أي حكومة محلية التحكم فيها.

بهذا المعنى، انتظار الحل الحكومي الكامل وحده ضرب من السذاجة السياسية. الحكومة أداة ضرورية لكنها غير كافية.

خامسًا: المستهلك الواعي سلاح لم نتعلم بعد كيف نستخدمه

القوة الحقيقية للمستهلك تكمن في ثلاثة مبادئ بسيطة:

1. مبدأ المقاطعة: حين تُقرر جماعة من الناس الإقلاع عن سلعة غالية والاستغناء عنها أو الاستعاضة ببديل، يُرغم السعر على الانخفاض. لا يحتاج هذا إلى تنظيم معقد يكفي أن ينتشر الوعي.

2. مبدأ البديل: لكل سلعة غالية بديل أرخص أو أكثر فائدة. الثقافة الاستهلاكية التي تُربّي على "العلامة التجارية" و"المظهر الاجتماعي" هي التي تُكبّل المستهلك وتجعله رهينة السعر، الاكتفاء بالأساسيات ليس فقرًا بل هو وعي.

3. مبدأ الصبر الجماعي: أصعب جزء في المقاطعة ليس الأسبوع الأول، بل الأسبوع الثالث والرابع. التاجر يعرف أن صبر المستهلك محدود، وينتظر من يصمد أكثر يفوز.

خاتمة: السوق لا يسمع إلا صوتًا واحدًا

في نهاية المطاف، الاقتصاد ليس علمًا مجردًا يسكن الكتب، بل هو سلوك يومي يصنعه كل واحد منا في كل مرة يمد يده إلى رف السوق، والأسعار التي نشكو منها اليوم هي في جزء منها انعكاس لقراراتنا الاستهلاكية نحن.

نظام الطيبات علّمنا، من حيث لم يقصد، أن ملايين الأيدي التي تُمسك عن سلعة واحدة تستطيع أن تُسقط سعرها في أسابيع، فكيف لو أن هذه الأيدي تتحرك بوعي لا بحمية غذائية، وبقرار لا بصدفة؟

الحكومة مسؤولة، والتجار مسؤولون، لكن المستهلك الذي يدفع الغالي صامتًا يوم بعد يوم هو أيضًا مسؤول.

السوق يسمع صوتًا واحدًا فقط: صوت المحفظة حين تُغلَق.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك