ارتفاع الأسعار في المغرب - بين التضخم العالمي واختلالات السوق

ارتفاع الأسعار في المغرب - بين التضخم العالمي واختلالات السوق

أصبح موضوع غلاء المعيشة في السنوات الأخيرة حاضرًا بثقل استثنائي في النقاش الاقتصادي والاجتماعي المغربي، وقد تخطّى حدود الشكوى اليومية ليصبح مسألة سياسية بامتياز. فبينما تتواصل وتيرة ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات والخدمات الأساسية، يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة: دخل يتآكل وفاتورة معيشة لا تتوقف عن الارتفاع. وما يزيد من تعقيد المشهد أن الأسعار، حين ترتفع، تفعل ذلك بسرعة ووضوح، بينما حين تنخفض ظروف الإنتاج أو الاستيراد، نادرًا ما ينعكس ذلك بنفس السرعة على المستهلك النهائي.

وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاوزه: هل ما يعيشه المغرب مجرد موجة تضخمية ظرفية مرتبطة بصدمات خارجية؟ أم أننا أمام اختلالات هيكلية متجذرة تجعل الغلاء واقعًا دائمًا يصعب تجاوزه؟ والجواب، كما سيتضح في هذه القراءة، أنه مزيج من الاثنين.

لا يمكن قراءة ارتفاع الأسعار في المغرب بمعزل عن السياق الدولي الذي أعاد رسم خريطة الاقتصاد العالمي منذ عام 2020. فقد توالت الصدمات بشكل غير مسبوق: جائحة كوفيد-19 التي شلّت سلاسل الإنتاج والتوريد، تلتها الحرب الروسية الأوكرانية التي رفعت أسعار القمح والطاقة إلى مستويات قياسية، ثم موجات التضخم العالمي التي طالت الدول المتقدمة والنامية على حدٍّ سواء و ختاما بالحرب الأمريكية الإيرانية.

وبالنسبة للمغرب تحديدًا، فإن هشاشة موقعه فيما يخص الاستيراد تجعله أكثرعرضة لهذه الصدمات مقارنة بدول أخرى. فالمغرب يستورد نحو 90% من احتياجاته من المحروقات، ويعتمد بشكل كبير على استيراد القمح اللين والسكر والزيوت النباتية. وحين تضطرب الأسواق الدولية، ينتقل الأثر إلى السوق المحلية بسرعة ومباشرة، سواء عبر ارتفاع فاتورة الاستيراد أو عبر موجات المضاربة التي تسبق التسليم الفعلي للبضائع.

ويزداد الأمر تعقيدًا حين يُضاف إليه تأثير ارتفاع كلفة الشحن البحري الدولي، الذي تضاعف عدة مرات خلال فترة الجائحة، وبقيت آثاره محسوسة لفترة مطوّلة. فكل هذه العوامل تضغط على التكاليف وتشكّل أرضية صلبة لارتفاع الأسعار لا يمكن للحكومة وحدها أن تمتصّها بالكامل.

ولكن الاكتفاء بالعوامل الخارجية لتفسير الغلاء هو تبسيط مُضلِّل. فالحقيقة أن السوق المغربي يعاني من اختلالات بنيوية تُغذّي الغلاء حتى في غياب الصدمات الخارجية، وتُضخّمه حين تكون هذه الصدمات حاضرة زمن بين اهم لاختلالت:

1. تضخّم سلاسل التوزيع :

تمر الكثير من السلع الأساسية، لا سيما في قطاع الخضروات والفواكه والأغذية المصنعة، عبر سلاسل توزيع طويلة ومتشعبة تضم وسطاء متعددين: من المنتج إلى تاجر الجملة الأول، إلى الوسيط الإقليمي، إلى الموزع المحلي، وصولًا إلى نقطة البيع. ويُضيف كل حلقة في هذه السلسلة هامش ربحًا، يتراكم في النهاية على كاهل المستهلك في شكل سعر نهائي قد يتجاوز ثلاثة أضعاف سعر الإنتاج الأولي.

2. محدودية المنافسة والسلوك شبه الاحتكاري

في عدد من القطاعات الحيوية كالاتصالات والإسمنت والمحروقات والتوزيع الغذائي الكبير، يتركّز النشاط الاقتصادي لدى عدد محدود من الفاعلين، مما يُضعف آليات المنافسة ويُقلّص الضغوط نحو خفض الأسعار. فحين تتحسن ظروف الاستيراد أو ينخفض سعر النفط دوليًا، لا ينعكس ذلك آليًا على المستهلك؛ لأن الفاعلين في السوق ليسوا مضطرين للمنافسة على السعر بالقدر الكافي. وقد رصد مجلس المنافسة المغربي خلال السنوات الأخيرة ممارسات تنسيقية في بعض القطاعات، غير أن آليات التطبيق والردع لم ترقَ بعد إلى المستوى المطلوب.

3. ظاهرة "الأسعار اللزجة"

تُلخّص الظاهرة الاقتصادية المعروفة بـ"الأسعار اللزجة" (Price Stickiness) جوهر المشكلة: فالأسعار حين ترتفع تفعل ذلك بسرعة واستجابة لأي مسوّغ، أما حين تتراجع ظروف التكلفة، فإنها تتمسّك بمستوياتها المرتفعة. والسبب بسيط: لا يوجد ما يُجبر الموزع أو البائع على خفض سعره طالما أن المستهلك مضطر للشراء ولا يملك بديلًا حقيقيًا.

وكل هذا يسبب في وقوع الطبقة المتوسطة في مواجهة مزدوجة الضغط: فمن جهة، ترتفع أسعار المواد الغذائية الأساسية كالزيت والسكر واللحوم والخضروات، إلى جانب ارتفاع فاتورة الطاقة والإيجار والتنقل. ومن جهة أخرى، لا تنتفع هذه الفئة من آليات الدعم الاجتماعي المخصصة للفئات الأكثر هشاشة، كما أن دخلها لا يرتفع بوتيرة تُضاهي ارتفاع تكاليف المعيشة.

ويُولّد ذلك ما يمكن تسميته بـ"التآكل الصامت للقدرة الشرائية": فالمواطن لا يشعر بالفقر المدقع دفعة واحدة، بل يجد نفسه يُقلّص نفقاته تدريجيًا، يتخلى عن اللحوم والأسماك أيامًا، يُرجّئ زيارة الطبيب، يُقلّص قيمة الهدايا لأبنائه ويلغي فكرة العطلة والسفر نهائيا. وهو تراجع تراكمي لا تعكسه إحصاءات الناتج الداخلي الخام، لكنه يُترجَم في انخفاض الاستهلاك الداخلي وتراجع جودة الحياة، والأخطر من ذلك أن هذا الضغط المتراكم يُفضي على المدى المتوسط إلى إضعاف الطلب الداخلي، وهو ما يُلقي بظلاله على النمو الاقتصادي الكلي، إذ يُمثّل الاستهلاك الداخلي ركيزة جوهرية من ركائز النمو.

وفي مواجهة هذا الواقع، كان بإمكان الحكومة المغربية اعتماد منظومة من السياسات المتكاملة التي تتدخل على مستويات مختلفة: الإغاثة الفورية، والإصلاح الهيكلي، وسياسات الأمد البعيد ومن بين هذه الإجراءات:

1: تفعيل مجلس المنافسة ومكافحة الاحتكار

كان ينبغي منح مجلس المنافسة صلاحيات تحقيقية واسعة وأدوات ردع فعلية، بما يشمل إجراء تحقيقات قطاعية دورية في قطاعات المواد الغذائية والمحروقات والأدوية، وفرض عقوبات رادعة على التنسيق غير المشروع في الأسعار. كما يستلزم الأمر تقليص حلقات التوزيع عبر دعم الأسواق الجهوية والمنصات الرقمية التي تربط المنتج بالمستهلك مباشرة.

2: دعم الإنتاج المحلي وتعزيز الأمن الغذائي

يتطلب تقليص الاعتماد على الاستيراد توجيه الدعم الزراعي نحو الزراعات ذات الأولوية الغذائية الداخلية: الحبوب والبقوليات والزيتون والبيض والحليب. وهو ما يعني في الواقع إعادة التوازن بين الزراعة التصديرية الرائجة والزراعة التي تُغذّي الأسواق الوطنية. فضلًا عن تطوير صناعات التحويل الغذائي محليًا لاستيعاب الفائض وتقليص الاستيراد في نفس الوقت.

3: تسريع التحول الطاقي لكسر تبعية المحروقات

تُعدّ فاتورة استيراد المحروقات من أكبر مصادر الضغط على ميزان المدفوعات وعلى أسعار النقل والإنتاج. ومع امتلاك المغرب إمكانات استثنائية في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كان ينبغي تسريع تنفيذ مشاريع الطاقات المتجددة على المستوى الصناعي والمنزلي، مع دعم استبدال وسائل النقل الثقيلة بأخرى تعمل بالطاقة الكهربائية، مما يُخفّض كلفة اللوجستيك وبالتالي أسعار السلع.

4: ربط الأجور بالتضخم الفعلي وإصلاح البنية الجبائية

في ظل تراجع القدرة الشرائية، كان من الضروري اعتماد آلية مراجعة دورية ومنتظمة للحد الأدنى للأجور (SMIG) بما يعكس معدلات التضخم الفعلية، لا مجرد تسويات ظرفية تحت الضغط الاجتماعي. ويُكمل ذلك ضرورة إصلاح المنظومة الضريبية نحو تخفيف العبء على الدخول المتوسطة، وتوسيع وعاء الضريبة على الثروة والأرباح العقارية والمالية، لضمان عدالة توزيعية أكثر.

5: الشفافية في تسعير المواد الأساسية

كان ينبغي إلزام الفاعلين الرئيسيين في سلاسل التوزيع بالكشف عن هياكل تكاليفهم أمام الجهات الرقابية، ونشر مؤشرات أسعار شهرية مفصّلة على المستوى الجهوي، وتمكين جمعيات المستهلكين من صلاحيات تحقيقية وحق التقاضي الجماعي. هذه الشفافية وحدها قادرة على تقليص الهوامش غير المبررة في كثير من قطاعات التوزيع.

كان ينبغي إلزام الفاعلين الرئيسيين في سلاسل التوزيع بالكشف عن هياكل تكاليفهم أمام الجهات الرقابية، ونشر مؤشرات أسعار شهرية مفصّلة على المستوى الجهوي، وتمكين جمعيات المستهلكين من صلاحيات تحقيقية وحق التقاضي الجماعي. هذه الشفافية وحدها قادرة على تقليص الهوامش غير المبررة في كثير من قطاعات التوزيع.

ألمانيا — تخفيض الضرائب ودعم التنقل

اعتمدت ألمانيا حزمة تدابير عملية تضمنت: أولًا، تخفيض ضريبة القيمة المضافة على المواد الغذائية الأساسية من 19% إلى 7%، مما خفّض الأسعار في نقاط البيع بشكل مباشر. وثانيًا، إصدار بطاقة نقل عام شهرية بسعر رمزي (9 يوروات) على مدى ثلاثة أشهر، استُخدمت أكثر من 52 مليون مرة، وخفّضت فاتورة المواصلات والوقود على الملايين من المواطنين. وهو نموذج يُثبت أن دعم التنقل العام يُمثّل سياسة اجتماعية واقتصادية وبيئية في آنٍ واحد.

جنوب أفريقيا — إعانات الدخل الأساسي وسط التضخم

طوّرت جنوب أفريقيا نظام إعانات دخل طارئة تمنح تحويلات نقدية شهرية للأسر في وضعية هشاشة، مع تطبيق تخفيضات ضريبية انتقائية على سلة محددة من المواد الغذائية الأساسية التي كانت مُعفاة من الضريبة أصلًا. ويُعدّ هذا النموذج الأقرب إلى التدخل الجراحي الموجَّه بدل الدعم الشامل الذي يُكلّف الميزانية دون أن يصل بالضرورة إلى الأكثر حاجة.

يتبيّن من هذه القراءة أن التضخم في المغرب ليس ظاهرة بسيطة ذات سبب واحد وحل واحد، بل هو نتاج تضافر صدمات خارجية متراكمة وعوامل هيكلية داخلية راسخة. وما يجعله أكثر قسوة في تأثيره الاجتماعي هو غياب شبكات حماية كافية واستجابة سياسية حكومية في أحيان كثيرة تأتي متأخرة أو منقوصة.

تُجمع التجارب الدولية الناجحة على أن مواجهة الغلاء تتطلب ثلاثة مستويات متوازية من التدخل: في المدى القصير، تدابير طارئة وموجَّهة لحماية القدرة الشرائية لمن هم الأكثر هشاشة؛ وفي المدى المتوسط، إصلاحات هيكلية لأسواق التوزيع والمنافسة؛ وفي الأمد البعيد، سياسات صناعية وطاقية وزراعية تُقلّص التبعية الخارجية وتُعزّز الصمود الاقتصادي.

والرهان الحقيقي ليس فقط في خفض الأسعار لأسابيع أو أشهر، بل في بناء منظومة اقتصادية أكثر عدالةً وتنافسيةً وصمودًا أمام الصدمات. منظومة تجعل من الغلاء استثناءً يُواجَه، لا قاعدة يُتأقلم معها.

وفي المحصلة، تبقى الأسعار مرآة صادقة للاقتصاد: فكلما كان السوق شفافًا وتنافسيًا وتحظى فيه المنافسة بحماية حقيقية، كانت الأسعار أقرب إلى منطقها الطبيعي وكانت القدرة الشرائية أكثر صمودًا. أما إذا استمرت الاختلالات دون معالجة، فإن الغلاء لن يكون مجرد مرحلة، بل واقعًا متجذرًا يصعب الخروج منه بدون إرادة سياسية حقيقية ورؤية اقتصادية شاملة.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك