ليس كل ما يصنع الاقتصاد يظهر في الإحصاءات الرسمية.
فبعيدًا عن التقارير والأرقام، يتحرك جزء واسع من النشاط الاقتصادي في الشوارع والأسواق الشعبية والورشات الصغيرة، حيث يعمل آلاف المغاربة خارج الأطر القانونية التقليدية، في ما يُعرف بالاقتصاد غير المهيكل. هذا القطاع قد لا يظهر بوضوح في الحسابات الرسمية، لكنه حاضر بقوة في الواقع اليومي، ويشكل أحد مكونات الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المغرب.
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن الاقتصاد غير المهيكل يمثل ما بين 25% و %30 من النشاط الاقتصادي الوطني، ويوفر مصدر دخل لملايين المواطنين، كما يستوعب نسبة مهمة من اليد العاملة، خصوصًا في ظل محدودية فرص الشغل في القطاعات المنظمة.
لكن قراءة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تتم فقط من زاوية الاختلال، بل أيضًا من زاوية الواقع الاجتماعي الذي أنتجها.
فبالنسبة لعدد كبير من الأسر، يشكل هذا النوع من النشاط وسيلة للعيش في ظل صعوبة الولوج إلى سوق الشغل المنظم، وتعقيد المساطر الإدارية، وارتفاع كلفة الاستثمار داخل الإطار القانوني الكامل.
ولهذا، تنتشر آلاف الأنشطة التجارية والخدماتية الصغيرة خارج المنظومة الرسمية، لكنها في المقابل تساهم فعليًا في تحريك الدورة الاقتصادية، وتوفير خدمات وفرص عمل في مختلف المدن والقرى.
غير أن استمرار هذا الوضع يطرح تحديات تنموية حقيقية.
أول هذه التحديات يتعلق بالإنتاجية. فالأنشطة غير المهيكلة غالبًا ما تكون محدودة التنظيم، ضعيفة الاستثمار، وتعتمد على وسائل إنتاج بسيطة، مما يجعل قيمتها المضافة أقل مقارنة بالقطاعات المنظمة، ويؤثر على قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو أقوى وأكثر استدامة.
التحدي الثاني يرتبط بالعدالة الاقتصادية.
فالمقاولات المنظمة تتحمل التزامات ضريبية واجتماعية وإدارية، بينما يظل جزء من النشاط الاقتصادي خارج هذه المنظومة، وهو ما يخلق نوعًا من عدم التوازن في بيئة الأعمال، ويحدّ من توسيع القاعدة الضريبية التي تحتاجها الدولة لتمويل السياسات الاجتماعية والاستثمار العمومي.
أما التحدي الثالث فيتعلق بالحماية الاجتماعية.
فالعاملون في الاقتصاد غير المهيكل غالبًا ما يفتقرون إلى التغطية الصحية أو التقاعد أو الضمانات المهنية، وهو ما يجعل استقرارهم الاقتصادي هشًا، ويزيد من قابلية الفئات الهشة للتأثر بأي أزمة اقتصادية أو اجتماعية.
غير أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم بمنطق الزجر أو الإقصاء.
فالتجارب الدولية تُظهر أن إدماج الاقتصاد غير المهيكل في الاقتصاد المنظم يتطلب مقاربة تدريجية تقوم على تبسيط المساطر، وتخفيف الأعباء في المراحل الأولى، وتشجيع الانتقال الطوعي نحو التنظيم، بدل فرضه بشكل مفاجئ.
وقد بدأت عدة مبادرات في المغرب تسير في هذا الاتجاه، من خلال برامج دعم المقاولة الذاتية، وتوسيع أنظمة الحماية الاجتماعية، وإطلاق ورش تعميم التغطية الصحية، وهي خطوات مهمة نحو تقليص الفجوة بين الاقتصادين المنظم وغير المنظم.
لكن الرهان الحقيقي لا يتمثل في القضاء الفوري على الاقتصاد غير المهيكل،
بل في تحويله تدريجيًا إلى اقتصاد منتج ومنظم قادر على خلق قيمة مضافة أكبر، وتوفير شروط عمل أكثر استقرارًا، وتوسيع قاعدة النمو الوطني.
فكل نشاط اقتصادي ينتقل من الهامش إلى التنظيم، يضيف وضوحًا للاقتصاد، ويعزز الإنتاجية، ويوسع الموارد، ويقوي الثقة في المؤسسات.
إن الاقتصاد غير المهيكل ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو انعكاس لتحولات سوق الشغل وبنية المجتمع، والتعامل معه بواقعية ومرونة يمكن أن يحوله من تحدٍ تنموي إلى فرصة حقيقية لتعزيز الاقتصاد الوطني.
فالتنمية لا تقوم فقط على المشاريع الكبرى،
بل تقوم أيضًا على تنظيم الطاقات الاقتصادية الصغيرة وإدماجها في مسار النمو.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!