الإنتاجية في المغرب: المفتاح الصامت لرفع الأجور وتحقيق نمو مستدام

الإنتاجية في المغرب: المفتاح الصامت لرفع الأجور وتحقيق نمو مستدام

في كل مرة يرتفع فيها الجدل حول القدرة الشرائية، يعود مطلب رفع الأجور إلى الواجهة.

غير أن السؤال الجوهري ليس: هل نرفع الأجور؟

بل: كيف نرفعها دون أن نخلق موجة تضخم جديدة؟

الجواب يختصر في مفهوم واحد: الإنتاجية.

الإنتاجية تعني مقدار ما ينتجه العامل مقارنة بالموارد المستخدمة. وكلما ارتفعت القيمة المضافة لكل ساعة عمل، أصبح رفع الأجور نتيجة طبيعية لمسار اقتصادي صحي، لا مجرد قرار إداري ظرفي.

الصورة بالأرقام

سجل الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة معدل نمو تراوح بين 3% و4% في المتوسط.

غير أن نمو إنتاجية العمل ظل محدودًا، في حدود 1 % إلى 1.5% سنويًا في أفضل الحالات.

أما الناتج الداخلي الخام للفرد، فيتراوح بين 3,500 و4,000 دولار سنويًا تقريبًا.

هذه الأرقام تكشف حقيقة أساسية:

النمو لا يُترجم تلقائيًا إلى ارتفاع ملموس في القيمة المضافة للفرد.

مقارنة إقليمية: ماذا تقول الأرقام؟

تركيا

يبلغ الناتج الداخلي الخام للفرد أكثر من 10,000 دولار تقريبًا.

كما أن مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي تفوق 25%، وهو ما يعكس قاعدة إنتاجية أقوى وتكاملًا أكبر في سلاسل التوريد.

إسبانيا

يتجاوز الناتج الداخلي الخام للفرد 30,000 دولار سنويًا.

وتعادل إنتاجية العمل هناك في بعض القطاعات ثلاثة إلى أربعة أضعاف نظيرتها في المغرب، في ظل اقتصاد مهيكل بدرجة عالية ورقمنة واسعة النطاق داخل المقاولات.

الفارق هنا لا يتعلق بعدد ساعات العمل، بل بحجم القيمة المضافة لكل عامل.

فالعامل الإسباني لا يعمل بالضرورة أكثر، لكنه يعمل ضمن منظومة إنتاجية أكثر كفاءة، بتكنولوجيا متقدمة، وتنظيم محكم، وتمويل أعمق.

أين يقف المغرب؟

يمثل القطاع غير المهيكل ما بين %20 و30% من الناتج الداخلي الخام، ما يحد من الكفاءة العامة للاقتصاد.

كما تشكل المقاولات الصغيرة جدًا والصغيرة والمتوسطة أكثر من 95 %من النسيج الاقتصادي، غير أن نسبة مهمة منها تعاني ضعفًا في الإنتاجية وفي مستوى الرقمنة.

وهذا يعني أن جزءًا معتبرًا من الاقتصاد يعمل دون بلوغ طاقته القصوى.

لماذا لا يكفي رفع الأجور إداريًا؟

يشكل الاستهلاك الداخلي حوالي 55 % إلى 60% من الناتج الداخلي الخام، ما يجعل القدرة الشرائية عنصرًا حاسمًا في دينامية النمو.

الفوائد:غير أن رفع الأجور دون ارتفاع موازٍ في الإنتاجية قد يؤدي إلى:

  • ضغط على كلفة الإنتاج
  • تراجع في القدرة التنافسية
  • ارتفاع في الأسعار
  • تآكل جزء من أثر الزيادة

 

المعادلة الاقتصادية واضحة:

إنتاجية أعلى

  • قيمة مضافة أكبر
  • قدرة تنافسية أقوى
  • هوامش مالية أوسع
  • أجور أعلى بشكل مستدام

 

الرهان الحقيقي

المنافسة اليوم لم تعد داخل الحدود الوطنية فقط، بل داخل الفضاء المتوسطي.

حين يقارن مستثمر بين المغرب وتركيا أو بين المغرب وإسبانيا، فإن معيار الحسم لا يكون عدد السكان فحسب، بل مستوى الإنتاجية، والكفاءة، وسرعة الإنجاز.

الرهان إذن استراتيجي، ويقوم على:

  • تسريع التحول الرقمي
  • توجيه الاستثمار نحو الصناعة والتكنولوجيا
  • رفع جودة التكوين وربطه بحاجيات السوق
  • دعم الابتكار داخل المقاولات

 

كل نقطة مئوية إضافية في إنتاجية العمل قد تعني، على المدى المتوسط، تحسنًا تدريجيًا ومستدامًا في مستويات الدخل.

الإنتاجية ليست خيارًا تقنيًا، بل خيارًا وطنيًا.

هي الطريق الواقعي لرفع الأجور دون تضخم، وتحقيق نمو دون هشاشة.

قد لا تتصدر عناوين الأخبار، لكنها تظل المفتاح الصامت لأي اقتصاد يريد أن يربح سباق التنافس الإقليمي.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك