حين يتأمل المرء خريطة الاقتصادات الصاعدة في القرن الواحد والعشرين، يجد أن الفارق بين الدول التي رسّخت سيادتها الاقتصادية وتلك التي ظلت أسيرة التبعية، لا يكمن في الموارد الطبيعية ولا في الموقع الجغرافي وحده، بل في إرادة سياسية صلبة تُحوّل الطموح إلى مصنع، والخطاب إلى سلعة تُصدَّر. وما بين هذا الطموح وتلك التبعية، يقف المغرب اليوم عند مفترق طرق.
تركيا: حين تُصبح الضرورة اختراعاً
لا يُمكن الحديث عن الطموح الصناعي للمغرب دون استحضار الدرس التركي الذي بات نموذجاً يُقتدى به. كان الاقتصاد التركي في بدايات تأسيس الجمهورية اقتصاداً زراعياً، قبل أن تبدأ تركيا تطوير قطاعها الصناعي والتكنولوجي، لا سيما في ظل حكومة تورغوت أوزال التي عملت على انفتاح الاقتصاد على الأسواق العالمية.
لكن الانعطافة الكبرى جاءت في مطلع الألفية الثالثة؛ فبين عامَي 2002 و2007، نما الاقتصاد التركي بمتوسط 6.8% سنوياً، وارتفعت الصادرات بنسبة 325% في عشر سنوات حتى عام 2012. والأهم من ذلك أن تركيا أدركت مبكراً أن الاستيراد الأبدي يعني التبعية الأبدية، فراهنت على التصنيع الذاتي بعزم لافت. فبينما بلغت عائدات صناعة السيارات وقطعها خلال عام 2019 قرابة 32 مليار دولار، أعلنت تركيا إنتاج سيارتها القومية بتقنية محلية بنسبة 100%.
أما في الصناعة الدفاعية، فالمشهد أكثر إبهاراً. نسبة الإنتاج المحلي في صناعة الدفاع التركية وصلت إلى 80%، وقد أعلن وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك: "كنا من أكبر المستوردين قبل 25 عاماً، والآن ندرج ضمن أول 10 دول مصدِّرة. لدينا 3500 شركة و1100 مشروع نشط." وقد تضاعف الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لتركيا ثلاث مرات منذ عام 2002، ليصل إلى نحو 1.32 تريليون دولار في عام 2024.
الرسالة الجوهرية للدرس التركي واضحة: ليس المهم ما تملكه من ثروات، بل ما تُقرر صنعه من إرادة.
المغرب: رصيد وعدٌ بمستقبل
لا يأتي المغرب إلى هذا النقاش بيدَين فارغتَين. فقطاع السيارات وحده بات شاهداً على ما يستطيعه الاقتصاد المغربي حين تتوفر الرؤية والاستثمار. شهد قطاع صناعة السيارات في المغرب خلال النصف الأول من سنة 2025 نمواً بنسبة 36% في حجم الإنتاج، إذ تجاوز عدد السيارات المصنّعة 350 ألف وحدة، مقابل ما يقارب 257 ألف وحدة في الفترة نفسها من 2024.
هذا الأداء يُكرّس مكانة المملكة بوصفها أول مُصدِّر للسيارات في القارة الإفريقية. وأكد وزير الصناعة والتجارة رياض مزور أن "قطاع الصناعة أصبح يشكّل 15% من الناتج الداخلي الخام خلال 2024، محققاً رقم معاملات وصل إلى 862 مليار درهم، وصادرات بـ400 مليار درهم، إلى جانب كفاءات يفوق عددها المليون كفاءة تشتغل بصفة مباشرة في القطاع."
المفارقة الكبرى: عمال يُثبتون جدارتهم في أرض الغير
هنا تكمن المفارقة التي تستوقف كل متأمل في الشأن الاقتصادي المغربي: اليد العاملة المغربية التي تُنجز داخل البلاد أعمالاً إنتاجية تستقطب الاستثمار الأجنبي وتكسب الثقة الدولية، هي ذاتها التي تُبهر الأوروبيين حين تعمل على أرضهم.
كشف تقرير صادر عن شركة "أوليفر وايمان" العالمية للاستشارات أن المملكة أصبحت إحدى أبرز الوجهات العالمية من حيث انخفاض تكلفة اليد العاملة في قطاع صناعة السيارات، إذ لا تتجاوز تكلفة إنتاج سيارة بالمغرب 106 دولارات لكل مركبة، مما يضع المغرب في طليعة الدول الأكثر قدرة على التنافس، متفوقاً على قوى صناعية معروفة مثل الصين والمكسيك وتركيا.
غير أن وزير الصناعة نبّه إلى بُعد جوهري في هذه المعادلة؛ مؤكداً أن انخفاض تكلفة الإنتاج لا يعني أن المغرب يدفع أجوراً أقل لعماله، بل إنه يستعمل أكثر التكنولوجيات في صناعة السيارات.
وعلى الصعيد الدولي، تصل الكفاءات المغربية لتُثبت حضورها. تكاليف اليد العاملة في المغرب باتت تضاهي بل تقل عن نظيرتها في الصين، إلى جانب موقعه الجغرافي المثالي المطل على أوروبا والبحر الأبيض المتوسط، واتفاقياته الخاصة الموقعة مع الاتحاد الأوروبي، مما يُسهّل انسيابية التصدير والتكامل الاقتصادي.
حتى إسبانيا المجاورة لا تُخفي احتياجها للكفاءات المغربية. إذ تحتاج إلى ما يصل إلى 26 ألف مهني من المغرب في قطاع النقل، وهو ما وصفه الكاتب النقابي خالد بوروخو بأنه "اعتراف بكفاءة المهنيين المغاربة الذين يظلون مطلوبين جداً."
السيادة الناقصة: حين يبني العامل لغيره
بيد أن قراءة متأنية في بنية هذا النجاح تكشف عن هشاشة هيكلية لا يجوز التغاضي عنها. فالمغرب يصنع لكنه يُصمّم نادراً. يُجمّع لكنه يبتكر قليلاً. معاهد التكوين في مهن صناعة السيارات IFMIA تُخرّج كفاءات مغربية لتلبية احتياجات قطاع صناعة السيارات المتطور بالفعل، لكن هذه الكفاءات تُؤدّي مهاماً حددها مصمِّمون في أوروبا وآسيا، بتقنيات مرخّصة من الخارج، لصالح علامات تجارية أجنبية.
وتظل إشكالية الاستثمار في البحث والتطوير أم الإشكاليات؛ فنفقات المغرب في هذا المجال لا تتجاوز 0.7% من الناتج الداخلي الخام، فيما تُخصص تركيا لهذا الملف أكثر من ضعف هذه النسبة. ولا تكتمل الصورة دون الإشارة إلى التأثير المُثبِط للاقتصاد غير الرسمي الذي لا يزال يمثل نحو 40% من النشاط الاقتصادي، فضلاً عن استنزاف الكفاءات عبر هجرة الأدمغة نحو أوروبا وأمريكا الشمالية. فعلى مدى العقد الماضي، زاد عدد السكان في سن العمل بأكثر من 10%، في حين لم تزد فرص العمل إلا بنسبة 1.5%، مما يُعمّق الفجوة بين الطاقة البشرية المتاحة والقدرة الاستيعابية للنسيج الإنتاجي.
نحو سيادة اقتصادية حقيقية: ستة رهانات لا تحتمل التأجيل
إن الخروج من منطق التبعية إلى رحاب السيادة الاقتصادية لا يُعالَج بالشعارات، بل بمسار إصلاحي متكامل يتحمل أصحاب القرار مسؤوليته كاملة. ويمكن إجمال أهم ركائزه في المحاور التالية:
أولاً: الانتقال من الإنتاج إلى الابتكار. لا يكفي أن يُجمّع المغرب ما صمّمه الآخرون؛ فالسيادة الحقيقية تبدأ حين تحمل السلعةُ بصمةً مغربية في تصميمها لا في تجميعها فحسب. ويقتضي ذلك مضاعفة الاستثمار في البحث والتطوير من 0.7% الحالية إلى ما لا يقل عن 2% من الناتج الداخلي الخام، وإنشاء مراكز بحث مشتركة بين الجامعة والمقاولة، على غرار ما فعلته كوريا الجنوبية حين حوّلت مخصصات البحث إلى براءات اختراع وعلامات تجارية عالمية.
ثانياً: تحويل رأس المال البشري إلى ثروة وطنية. توفير عروض تكوين متنوعة ونوعية لتطوير كفاءات تتلاءم مع الاحتياجات الخاصة للمشاريع الصناعية خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى ما هو أعمق: منظومة تعليمية تجعل من الريادة والإبداع قيمتَين أساسيتَين، ومحاربة نزيف الكفاءات نحو الخارج عبر سياسات أجرية عادلة وبيئة مهنية محفزة. فاليد العاملة المغربية التي يطلبها الأوروبيون يجب أن تُبنى بها الصناعة المغربية أولاً.
ثالثاً: إحلال الواردات بذكاء لا بعشوائية. رفعت الحكومة الرسوم الجمركية على استيراد المنتجات الجاهزة غير الفلاحية من 25 إلى 40%، مع تشجيع استهلاك المنتجات الوطنية عبر آلية الأفضلية الوطنية في طلبات العروض العمومية. وهذا توجه سليم، غير أنه يجب أن يُواكَب بتأهيل فعلي للمقاولة المغربية كي تملأ الفراغ الذي تتركه الواردات، لا أن تبقى رسوماً جمركية تحمي منتجات دون مستوى التنافسية.
رابعاً: إدماج الاقتصاد غير الرسمي في النسيج المنتج. يشكّل القطاع غير الرسمي 40% من النشاط الاقتصادي المغربي، وهو طاقة إنتاجية هائلة تعمل خارج الرادار الضريبي والإحصائي. الحل ليس في المطاردة والعقوبة، بل في تبسيط الإجراءات البيروقراطية وخفض تكاليف التسجيل القانوني للمقاولات الصغيرة، حتى يجد أصحابها في الاندماج الرسمي مصلحة اقتصادية واضحة لا عبئاً إضافياً.
خامساً: بناء تحالف "صنع في المغرب" يراهن المغرب على الارتقاء بصناعته وتعزيز تنافسية منتجاته المحلية عبر إستراتيجية أطلقتها الحكومة تحت اسم "صنع في المغرب". لكن نجاح هذه الإستراتيجية مشروط بأن يتحول المستهلك المغربي نفسه إلى شريك فيها، وذلك بتوعيته بأن شراء المنتج الوطني ليس عملاً وطنياً عاطفياً، بل قرار اقتصادي عقلاني يصنع فرص الشغل ويدعم العملة الوطنية.
سادساً: الرهان على الطاقة الخضراء رافعةً للتصنيع. يملك المغرب ما لا تملكه كثير من الدول: شمس وفيرة ورياح دائمة وموقعاً استراتيجياً على البحر. الهيدروجين الأخضر ليس مشروع تصدير للطاقة فحسب، بل فرصة تاريخية لتصنيع محلي يستهلك طاقة رخيصة ونظيفة ويُقلّص فاتورة الطاقة المستوردة. وهنا يلتقي الطموح البيئي بالسيادة الاقتصادية في نقطة واحدة.
خلاصة: المغرب بحاجة إلى "طفرة أردوغانية" خاصة به
إن المغرب يمتلك كل المقومات التي مكّنت دولاً كتركيا من تجاوز عقبة التبعية: موقع استراتيجي، وطاقة بشرية مُثبَتة الكفاءة، وقطاعات واعدة، وإرادة ملكية صريحة في دعم التصنيع. غير أن هذه المقومات تحتاج إلى استراتيجية صناعية جريئة تُحوّل المغرب من منصة تجميع إلى مركز ابتكار، ومن مُصدِّر عمالة ماهرة إلى مُصدِّر منتجات حاملة للبصمة المغربية.
السيادة الاقتصادية ليست شعاراً يُرفع في الخطاب السياسي، بل مسار دؤوب يبدأ من الفصول الدراسية ولا ينتهي في أروقة الوزارات. والسؤال ليس هل يستطيع المغربي أن يُنتج، فذلك أثبته بجدارة داخل البلاد وخارجها. السؤال الحقيقي هو: متى سيصنع المغرب، لأجل المغرب، بعقل المغرب؟

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!