لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو بشكل مستدام دون قطاع خاص قوي،
لكن قوة هذا القطاع لا تُقاس فقط بحجمه، بل أيضًا بمدى انفتاحه وتوازنه.
في المغرب، يشكل الاستثمار الخاص عنصرًا أساسيًا في دعم النمو وخلق فرص الشغل، إلى جانب الاستثمار العمومي الذي ظل لسنوات المحرك الرئيسي للاقتصاد. غير أن تحقيق نمو أكثر قوة واستدامة يظل رهينًا بقدرة القطاع الخاص على لعب دور أكبر في تمويل المشاريع وتوسيع النشاط الاقتصادي.
ورغم الجهود المبذولة لتعزيز مناخ الأعمال، لا يزال الاستثمار الخاص دون المستوى الذي يواكب طموحات الاقتصاد الوطني. وتشير التوجهات الاقتصادية إلى أن رفع مساهمة القطاع الخاص إلى حوالي ثلثي الاستثمار الإجمالي في أفق 2035 يمثل أحد الأهداف الاستراتيجية، وهو ما يعكس الحاجة إلى دينامية استثمارية أقوى.
لفهم هذا الوضع، لا بد من النظر إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها التمويل، والثقة، واستقرار القوانين، لكن أيضًا بنية السوق نفسها.
فلا يمكن الحديث عن استثمار خاص دون التطرق لبنية السوق المغربية التي تعاني في عدة مفاصل من "تركيز اقتصادي نسبي "، تشير القراءات التحليلية إلى أن هيمنة عدد محدود من الشركات الكبرى في قطاعات حيوية يخلق حواجز دخول "غير مرئية"
هذا التغول، وإن كان في ظاهره نتيجة طبيعية لتراكم الخبرات والرساميل، إلا أنه يحمل في طياته مخاطر جسيمة:
- إقصاء المقاولات الصغيرة والمتوسطة: التي تجد نفسها عاجزة عن اختراق أسواق تسيطر عليها كيانات كبرى تتحكم في قنوات التوزيع والتمويل.
- جمود الابتكار: فغياب الضغط التنافسي الحقيقي يقلل من حافز الشركات المهيمنة على تطوير خدماتها أو خفض تكاليفها.
- استقرار الأسعار عند مستويات مرتفعة: وهو ما يدفع ثمنه المستهلك النهائي والمستثمر الصغير على حد سواء.
وإن سيطرة شركات بعينها على قطاعات كالطاقة، الاتصالات، أو الصناعات الغذائية لا يؤثر فقط على الأسعار، بل يضرب في عمق "ثقة المستثمرين الجدد". فالمستثمر، خاصة الأجنبي أو الشاب، يبحث عن بيئة تضمن له "فرصاً متكافئة للنمو". وعندما يشعر أن القواعد مفصلة على مقاس "الفاعلين الكبار"، فإنه يتردد في ضخ أمواله، مما يحد من دينامية الاستثمار الوطنية
وللانتقال من الوضع الحالي إلى الأهداف المسطرة، يحتاج المغرب إلى قفزة كمية ونوعية في الأرقام المحققة:
- الحصة الحالية: يساهم القطاع الخاص حالياً بنحو ثلث الاستثمار فقط، بينما يتحمل القطاع العام الثلثين المتبقيين.
- الهدف المسطر: الوصول إلى حصة %67 للقطاع الخاص بحلول عام 2035، مما يتطلب مضاعفة وتيرة الاستثمارات الحالية.
- الثقة والمنافسة: وهو ما يدفع ثمنه المستهلك النهائي والمستثمر الصغير على حد سواء.يظل استقرار القوانين وتبسيط المساطر الإدارية هي "العملة الصعبة" لرفع هذه الأرقام، حيث تعتبر كلفة الاستثمار العالية عائقاً أمام الفاعلين الجدد
وفي هذا السياق، يبرز دور المؤسسات التنظيمية، وعلى رأسها مجلس المنافسة، في ضمان احترام قواعد السوق، وتعزيز الشفافية، ومنع الممارسات التي قد تخل بتوازن المنافسة.
وأن الحل لا يكمن في محاربة الشركات الكبرى التي تخلق القيمة، بل في خلق "توازن صحي". وتتحدد ملامح هذا التوازن في خمس نقاط جوهرية:
1 - إصلاح هيكل السوق وكسر "التركيز الاقتصادي"
لمواجهة هيمنة مجموعة محدودة من الفاعلين التي ترفع حواجز الدخول يُقترح:
- فرض سقف للحصص السوقية: تفعيل آليات تمنع تجاوز فاعل واحد لنسبة معينة (مثلاً40 % ) في القطاعات الاستراتيجية لضمان عدم "تغول" طرف واحد على حساب المنافسة العادلة.
- تفعيل الغرامات الردعية: تعزيز دور مجلس المنافسة في فرض عقوبات مالية تصل إلى %10 من رقم المعاملات السنوي للشركات التي يثبت تورطها في ممارسات احتكارية أو الاتفاق على الأسعار.
2 - تسهيل "التمويل النوعي" للمقاولات الصغرى والمتوسطة
بما أن ضعف التمويل يحد من دخول فاعلين جدد يجب:
- تخصيص كوطا تمويلية: إلزام الأبناك بتوجيه نسبة لا تقل عن %25 من محفظة قروضها للمقاولات الناشئة والصغرى بضمانات حكومية، لكسر احتكار الشركات الكبرى لخطوط الائتمان.
- صناديق استثمار جهوية: إنشاء صناديق برأسمال مشترك (عام-خاص) تستهدف دعم الابتكار في المناطق الأقل استثماراً، لتقليص التمركز الجغرافي والقطاعي للاستثمار.
3 - خفض "كلفة الدخول" عبر الرقمنة والتبسيط الإداري
المساطر الإدارية المعقدة تخدم الشركات الكبرى التي تملك جيوشاً من المحامين والمحاسبين، بينما تخنق الصغار. الحل يكمن في:
- الرخص التلقائية: اعتماد مبدأ "السكوت يعتبر موافقة" في %80 من التراخيص غير الاستراتيجية، لتقليص مدة معالجة الملفات الاستثمارية.
- رقمنة شاملة للمساطر: خفض كلفة الاستثمار الإدارية بنسبة تصل إلى %30 من خلال توحيد المنصات الرقمية للمراكز الجهوية للاستثمار.
4 - تعزيز "الثقة القانونية" والشفافية
الثقة هي وقود الاستثمار. ولتحقيق ذلك:
- مؤشر استقرار القوانين: الالتزام بعدم تغيير القوانين الضريبية المرتبطة بالاستثمار لمدة لا تقل عن 5 سنوات، مما يوفر رؤية واضحة للمستثمرين الجدد ويحميهم من تقلبات السوق.
- الولوج المتكافئ للمعلومة: نشر تقارير دورية حول "حالة المنافسة" في كل قطاع، لضمان الشفافية وتنبيه المستثمرين للفرص المتاحة في الأسواق الأقل تركيزاً.
5 - الاستثمار في "الابتكار" كمنافس بديل
دعم الابتكار هو الوسيلة الأسرع لخلق فاعلين جدد يزاحمون الشركات التقليدية المتغولة:
- حوافز ضريبية للبحث والتطوير: إعفاءات ضريبية تصل إلى %50 من تكاليف البحث والتطوير للمقاولات التي تقدم حلولاً تقنية تخفض كلفة الخدمات والسلع للمواطنين.
في الختام، إن معركة تحول المغرب نحو اقتصاد يقوده القطاع الخاص ليست مجرد طموح محاسباتي للوصول إلى نسبة ثلثي الاستثمار الإجمالي بحلول عام 2035 ، بل هي معركة إرادة لإعادة صياغة قواعد اللعبة الاقتصادية. لا يمكن لهذا الطموح أن يكتمل ما لم يرافقه حزم مؤسساتي في كسر قيود "التغول" والتركيز الاقتصادي الذي يخنق الابتكار ويقوض تكافؤ الفرص.
إن القوة الحقيقية للاقتصاد الوطني لا تُقاس بمدى ضخامة الشركات الكبرى فحسب، بل بمدى مرونة السوق وقدرته على استيعاب الفاعلين الجدد والمقاولات الصغرى في بيئة تسودها الشفافية والمنافسة العادلة. إن الاستثمار، حين يتحرر من قيود الاحتكار ويستند إلى أرضية صلبة من الثقة وسيادة القانون، يتحول من مجرد تدفقات مالية إلى محرك سيادي للتنمية، يضمن مستقبلاً أكثر شمولاً وازدهاراً لجميع المغاربة. وكما يؤكد الواقع؛ فإن الاقتصاد الذي يفتح أبوابه للجميع هو وحده الاقتصاد القابل للحياة والنمو والاستمرار.
فحين تكون المنافسة قوية وعادلة، يتحول الاستثمار إلى محرك حقيقي للنمو.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!