الاقتصاد المغربي تحت مجهر مؤسستين

الاقتصاد المغربي تحت مجهر مؤسستين

نادراً ما يجتمع تقريران صادران عن مؤسستين مختلفتين — إحداهما وطنية والأخرى دولية — على قراءة واحدة تقريباً للاقتصاد. لكن هذا بالضبط ما يكشفه التقاطع بين التقرير السنوي لبنك المغرب لسنة 2025 وتقرير البنك الدولي حول متابعة الوضع الاقتصادي بالمغرب (صيف 2026): تشخيص متطابق في تسعة مؤشرات من أصل عشرة، لا تكاد تفصل بينها سوى فوارق التقريب أو اختلاف عملة العرض أو تغيّر المنهجية. صورة واضحة لسنة قوية على مستوى الأرقام الكبرى، لكنها تُخفي وراءها أسئلة عميقة حول جودة النمو وقدرته على خلق الشغل.

توافق نادر بين بنك المغرب والبنك الدولي

يقارب التقريران الاقتصاد المغربي من زاويتين متكاملتين: يقدّم بنك المغرب حصيلة نهائية ومفصّلة لسنة 2025 (النقدية والبنكية والميزانياتية والخارجية)، بينما يقدّم البنك الدولي قراءة استشرافية للفترة 2026–2028 مصحوبة بتحليلات بنيوية تخصّ التشغيل والتحول الرقمي.

ورغم هذا الاختلاف في الزاوية، فإن الأرقام تكاد تتطابق: نمو الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي عند 4,9٪ لدى المؤسستين، وتضخم عند 0,8٪، واستثمار بارتفاع 16,3٪، وعجز ميزانياتي في حدود 3,5٪ من الناتج، وعجز في الحساب الجاري عند 2,4٪. أما الفوارق القليلة المسجّلة — كأن يشير بنك المغرب إلى مديونية خزينة عند 66,6٪ بينما يقرّبها البنك الدولي إلى نحو 67٪ — فمردّها إلى التقريبات ومناهج العرض، لا إلى اختلاف في التشخيص.

نمو قوي... لكن أحادي المحرّك

بلغ النمو 4,9٪، مدفوعاً أساساً بديناميكية استثمار استثنائية (16,3٪+)، تلتها قطاعات الفلاحة والغابات (8,2٪+)، والصناعة الاستخراجية (7,5٪+)، والسياحة (7٪+)، والبناء (6,7٪+)، بينما ظلّت الصناعة التحويلية عند مستوى متواضع (2٪+).

غير أن قراءة مكوّنات النمو تكشف نقطة الضعف: فالطلب الداخلي يظل المحرّك شبه الوحيد (مساهمة بـ6,6 نقاط)، في مقابل مساهمة سلبية للصادرات الصافية (-1,7 نقطة). والأهم أن استهلاك الأسر ظلّ محدوداً في حدود 1,2٪ فقط، ما يعني أن الدينامية الاقتصادية تقوم بالأساس على الاستثمار العمومي أكثر مما تقوم على القدرة الشرائية للمواطن. نمو قوي إذن، لكنه هشّ لأنه معتمد على محرّك واحد.

تضخم منخفض: الورقة الرابحة لسنة 2025

يبقى التضخم عند 0,8٪ الإنجاز الماكرو-اقتصادي الأبرز. فتحقيق نمو يقترب من 5٪ مع تضخم دون 1٪ معادلة نادرة تحسد عليها العديد من الاقتصادات. ويعود هذا الاستقرار إلى تراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية، وانخفاض أثمان اللحوم الطازجة وزيت الزيتون، إضافة إلى سياسة نقدية توسّعية ومضبوطة في آن. هذا الاستقرار في الأسعار هو ما يمنح الاقتصاد هامشاً للتنفّس ويحمي القدرة الشرائية من التآكل.

المالية العمومية: مسار تقويم متواصل

يسجّل التقريران تحسّناً تدريجياً للتوازنات المالية. فقد تراجع العجز الميزانياتي من 4,4٪ سنة 2023 إلى 3,9٪ سنة 2024، ثم إلى 3,5٪ سنة 2025. كما انخفضت مديونية الخزينة من 68,4٪ إلى 66,6٪ خلال الفترة نفسها.

ويُعزى هذا التحسّن إلى ارتفاع المداخيل الجبائية بنسبة 15,3٪، وإلى أثر المساهمة الإبرائية الطوعية لسنة 2024، فضلاً عن اللجوء إلى تمويلات مبتكرة بلغت 40,1 مليار درهم واعتمادات إضافية بـ13 مليار درهم. مسار تقويمي واضح، وإن ظل مشروطاً باستدامة الموارد الاستثنائية التي غذّته.

التجارة الخارجية: عجز مرتفع لكن ممتصّ

ارتفعت الواردات والصادرات بنسبة 8٪ لكلٍّ منهما، غير أن العجز التجاري بلغ مستوى مرتفعاً عند 20,5٪ من الناتج الداخلي الإجمالي، مع معدل تغطية عند 57,2٪. ويُفسَّر جزء من هذا العجز بارتفاع واردات التجهيز المرتبطة بموجة الاستثمار نفسها.

في المقابل، تشتغل «ممتصّات الصدمات» الخارجية بكفاءة: مداخيل الأسفار قفزت إلى 138,6 مليار درهم (21,1٪+)، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بلغت 122 مليار درهم (2,6٪+)، فيما استقرّت الاحتياطيات الرسمية من الصرف عند 442,9 مليار درهم، أي ما يعادل تغطية 5 أشهر و11 يوماً من الواردات. وضعية خارجية مريحة إذن، رغم اتساع العجز التجاري.

سياسة نقدية مواكِبة

خفّض بنك المغرب سعر الفائدة الرئيسي تدريجياً من 3٪ سنة 2023 إلى 2,50٪ ثم إلى 2,25٪ سنة 2025، مواكباً بذلك النمو دون المساس باستقرار الأسعار. وارتفع القرض البنكي الإجمالي بنسبة 8٪. لكن التقرير يضع إصبعه على نقطة يقظة أساسية: نسبة القروض المتعثرة تقترب من ، وهو مستوى يستوجب المتابعة لأنه قد يُثقل تمويل القطاع الخاص مستقبلاً.

الشغل: المفارقة الكبرى للتقرير

هنا يكمن أهم درس في هذا التقاطع. فوفق المنهجية القديمة، أحدث الاقتصاد 193 ألف منصب شغل صافٍ سنة 2025 (مقابل 82 ألفاً في 2024، وفقدان 157 ألفاً في 2023)، مع معدل بطالة عند 13٪.

لكن المنهجية الجديدة التي اعتمدتها المندوبية السامية للتخطيط مطلع 2026 تقلب الصورة. فبينما تُظهر البطالة الصِّرفة تراجعاً إلى 10,8٪، يوضّح التقرير أن جزءاً من هذا التراجع مردّه تعريف أكثر تشدّداً للبطالة، لا تحسّناً حقيقياً في سوق الشغل. أما المؤشر الأكثر دلالة — النقص الموسّع في استخدام اليد العاملة — فيبلغ 17,1٪، ويرتفع إلى 27,9٪ لدى النساء و40,4٪ لدى الشباب. كما يوجد نحو 884 ألف شخص ضمن اليد العاملة المحتملة (المثبَّطون الذين توقفوا عن البحث).

والأدهى أن من بين 407 آلاف شخص إضافي بلغوا سنّ العمل، لم يلتحق بسوق الشغل سوى 177 ألفاً. أضف إلى ذلك فجوة أجرية حضرية بين الجنسين تناهز 23٪. هكذا، ورغم الأرقام الإجمالية المطمئنة، تظل جودة سوق الشغل — لا حجمه — هي التحدي البنيوي الحقيقي.

آفاق 2026–2028: نمو أبطأ ومخاطر محدقة

يتوقع البنك الدولي تراجع النمو إلى 4,2٪ سنة 2026، ثم 4٪ سنة 2027، قبل أن ينتعش إلى 4,3٪ سنة 2028، مع تعافٍ تدريجي للاستهلاك الخاص. غير أن هذا المسار مهدَّد بجملة مخاطر: تصاعد التوتر بالشرق الأوسط، الجفاف والتقلبات المناخية، تباطؤ منطقة الأورو، الارتفاع المستدام لأسعار المواد الأولية، إضافة إلى البطالة البنيوية وضعف المشاركة النسائية والمخاطر المرتبطة بالمؤسسات العمومية والالتزامات الاحتمالية.

في المقابل، تتوفر فرص حقيقية: قرب التوطين (Nearshoring) نحو المغرب، استثمارات كأس العالم 2030، إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر لخدمة التنمية الصناعية.

«المُحرّك القادم» للنمو: الرقمنة

يخصّص البنك الدولي حيّزاً مهماً لِما يسمّيه «المنجم الرقمي» غير المُستغَل. فأقل من 20٪ من المقاولات تُدمج التكنولوجيات المتقدمة بشكل مكثف، و8٪ فقط تستعمل أنظمة تدبير الموارد (ERP)، فيما لا تتجاوز نسبة المقاولات التي توظّف الاستعمال المتقدم لمراقبة الجودة 25٪.

والرهان اقتصادي بامتياز: يمكن للتحول الرقمي أن يرفع إنتاجية المقاولات بـ70٪+، والإنتاجية الوطنية الإجمالية بـ10 إلى 15٪+. من هنا تأتي الرسالة الاستراتيجية المركزية للتقرير: الانتقال من نمو مدفوع أساساً بالاستثمارات العمومية الكبرى إلى نمو يقوده التشغيل المهيكل والاستعمال المكثّف للتكنولوجيات الرقمية.

خلاصة: مكاسب حقيقية وتوازنات هشّة

يمكن تلخيص حصيلة 2025 في ثلاث كلمات: مكاسب، واختلالات، وهشاشات.

فالمكاسب واضحة: 4,9٪ نمو، 0,8٪ تضخم، احتياطي صرف يفوق 442 مليار درهم، و193 ألف منصب شغل. لكن الاختلالات قائمة: عجز تجاري عند 20,5٪ من الناتج، واستهلاك أسري محدود، ونمو ما يزال معتمداً على الطلب العمومي. أما الهشاشات البنيوية فأعمق: 884 ألف عامل محتمل أو مثبَّط، ونقص موسّع في استخدام اليد العاملة يبلغ 17,1٪، وتخلّف رقمي واضح للنسيج المقاولاتي.

الاقتصاد المغربي، إذن، يقف على أرضية ماكرو-اقتصادية صلبة، لكن رهانه الحقيقي لم يعد في تحقيق النمو، بل في جعله أكثر شمولية وقدرة على خلق شغل ذي جودة — وذلك هو بالضبط ما يسمّيه التقريران «المُحرّك القادم».

طنجة الأخبار
بقلم:

طنجة الأخبار

طنجة الأخبار جريدة إلكترونية مغربية و موقع إخباري شامل ومستقل، تعرفوا على آخر الأخبار من المغرب والعالم عبر موقعنا

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك