بقلم: رضا الحكيم الشعيري
الأرقام مُغرية، ولا يمكن إنكارها. بلغت تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة 42.5 مليار درهم خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025 وحدها، بارتفاع يناهز 39.5 بالمائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. وفي قطاع السيارات تحديداً، باتت الطاقة الإنتاجية الإجمالية تتجاوز مليون مركبة سنوياً بعد أن ضمّت توسعة ستيلانتيس بالقنيطرة إلى طاقة رينو بطنجة. ومن طنجة إلى النواصر، تُفيد تقارير البنك الإفريقي للتنمية بأن المغرب حقّق قفزة نوعية في مؤشرات التصنيع خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2024، مستنداً إلى توسّع القاعدة الصناعية وارتفاع تنافسية المنتجات في قطاعات السيارات والطيران والطاقة.
لكن ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح، ولا ينبغي أن تُخمده بهجةُ الإحصاءات: هل يبني المغرب صناعةً وطنية فعلية، أم أنه يُحسن تأجير أرضه وعمالته لقرارات تُتخذ في باريس وميلانو وطوكيو؟
درس المكسيك: حين تصبح "المصنع" ليس صاحبه
لا يحتاج المرء لأن يسافر بعيداً ليجد نموذجاً تحذيرياً. المكسيك بنت على مدى عقود منظومة ضخمة عُرفت بـ"الماكيلادورا": مصانع تُوجَد غالباً على طول الحدود الأمريكية، تستورد مواد خاماً ومكوّنات معفاة من الجمارك، تجمّعها أو تُصنّعها، ثم تُعيد تصديرها. بالأرقام، تبدو التجربة براقة: تمتلك ماركات كرايسلر وفورد وهوندا ونيسان وتويوتا مصانع تجميع ضخمة فيها، وتُعدّ المكسيك سابع دولة عالمياً في إنتاج السيارات. غير أن السؤال الجوهري يظل معلّقاً: من يملك التصميم؟ من يحتفظ ببراءة الاختراع؟ من يتخذ قرار الانتقال؟ الجواب في كل مرة: ليس المكسيك. وقد دفعت ثمن هذا الارتهان أزمات متتالية كلما اهتزت العلاقة مع واشنطن أو تراجعت الميزة التنافسية في الأجور.
درس كوريا: من مقاول الباطن إلى صاحب العلامة
في المقابل، ثمة نموذج مختلف جذرياً. في البداية ركّزت كوريا الجنوبية على المنسوجات والتصنيع الخفيف، ثم تحوّلت نحو الصناعات الثقيلة كالصلب والكيماويات في السبعينيات. ما يجعل التجربة الكورية استثنائية ليس الزخم الرقمي، بل القرار السياسي الاستراتيجي الصريح: بناء شراكة واضحة بين الحكومة والقطاع الخاص لإنشاء صناعة وطنية قادرة على دخول الأسواق العالمية، مع ربط الجامعات بالصناعة وتشجيع الشركات الوطنية على النمو والتحوّل إلى منصات تصديرية. النتيجة؟ سامسونج وهيونداي وLG ليست مجرد مصانع تعمل لحساب الغير، بل علامات تجارية يملكها كوريون وتُصدّر للعالم.
الفارق الحاسم بين المكسيك وكوريا لم يكن في حجم الاستثمار الأجنبي، بل في مآل العلاقة معه: هل هو نقطة انطلاق نحو الاستقلالية، أم محطة نهائية مريحة؟
المغرب: بين الخيارين
المغرب اليوم يقف في منتصف الطريق بالضبط، وهذا بالذات ما يجعل اللحظة حاسمة. وصلت نسبة الإدماج المحلي في مجموعة رينو إلى 65.5 بالمائة، مع مشتريات من موردين محليين تجاوزت ملياري دولار، مع التزامات بالوصول إلى 3 مليارات يورو بنهاية العقد. وهذا يتجاوز بكثير نموذج الماكيلادورا المكسيكي. كذلك تُصنَع في المنطقة الصناعية بالنواصر محركات طائرات بشراكة مع مجموعة سافران الفرنسية، وهو قطاع لا يلجه إلا من امتلك حداً أدنى من الكفاءة التقنية الرفيعة. واتفاقية رينو الأخيرة تتضمن صراحةً إنشاء مركز هندسي للبحث والتطوير، وهي خطوة نوعية لو تُرجمت على أرض الواقع.
لكن المؤشرات المقلقة لا تقل وضوحاً: قرار ستيلانتيس بنقل إنتاج الجيل القادم من سيتروين C4 من مدريد إلى القنيطرة ابتداءً من 2029 — وإن بدا شهادة ثقة — يُذكّرنا أن مدريد نفسها لم تُستشَر. القرار صدر من ميلانو. ويُمكن أن يصدر القرار التالي بالرحيل من المكان ذاته، متى ظهرت وجهة أقل تكلفة.
ثلاثة رهانات لا تحتمل التأجيل
إذا أراد المغرب أن يكتب قصة مختلفة عن المكسيك وقريبة من كوريا، فالطريق يمر بخيارات بنيوية صريحة:
أولاً — البحث والتطوير شرطاً لا مكافأة: ينبغي أن يُدرج في كل عقد استثماري كبير بند إلزامي بنقل التكنولوجيا وتأسيس مراكز هندسية فعلية، لا مجرد مكاتب إدارية باسم "البحث والتطوير". الدرس الكوري صريح: تشجيع الشركات الوطنية على النمو وخلق منظومة حقيقية للبحث العلمي هو الذي نقل الدولة من موقع التابع إلى موقع المبتكر.
ثانياً — رعاية صنع بالمغرب: العلامة التجارية المغربية في السيارات أو الإلكترونيات أو الصناعات الغذائية المصنّعة ليست ترفاً، بل هي الفارق بين امتلاك سلسلة القيمة والعمل لحسابها. التجربة الكورية بنت "هيونداي" من عدم، والتجربة المغربية تملك من الموارد والكفاءات ما يكفي لبناء أولى هذه العلامات.
ثالثاً — مراجعة نموذج الحوافز: منظومة الإعفاءات الضريبية وتسهيلات الأرض ومنح الطاقة الرخيصة يجب أن تُربط صراحةً بمؤشرات القيمة المضافة المحلية، لا بحجم الاستثمار وحده. الاستثمار الكبير في مصنع يعتمد على 20% إدماج محلي يُضرّ بالسيادة الصناعية أكثر مما ينفع، مهما بدت أرقامه مُبهجة في التصريحات الحكومية.
الموقع الجغرافي لا يكفي، والاستقرار السياسي لا يكفي، وكأس العالم 2030 لا يكفي وحده. ما يكفي هو قرار استراتيجي واضح: نريد أن نكون شركاء في سلسلة القيمة العالمية، لا عمّالاً فيها. وهذا القرار لا يحتاج إلى موارد طبيعية إضافية، بل إلى استثمار في الإنسان والعلوم والابتكار، وهو ما أثبت أنه كفيل وحده بتغيير موقع الدولة في الخريطة الاقتصادية العالمية.
النافذة مفتوحة. لكن النوافذ تُغلَق.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!