مع كل صيف، يتكرر المشهد ذاته على شواطئ المملكة: ملايين المصطافين، وملايير الدراهم تتحرك في ظرف ثمانية أسابيع، واقتصاد موسمي ضخم يشتغل خارج أي إطار، بلا تأطير ولا هيكلة ولا رؤية. صيف 2026 لم يخرج عن القاعدة، بل كشف بشكل أوضح من أي وقت مضى أن المغرب يملك واحدة من أطول الواجهات البحرية في إفريقيا، لكنه لم ينجح بعد في تحويلها إلى صناعة اقتصادية حقيقية.
اقتصاد بملايير الدراهم... يُدار بالصدفة
الأرقام الرسمية تبدو مبهرة في ظاهرها. فقد استقبلت المملكة 7.7 ملايين سائح إلى غاية نهاية ماي، بزيادة بلغت 7 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، فيما ارتفعت مداخيل السفر بأكثر من 21 في المائة. كما تم التعاقد على 7.74 ملايين مقعد جوي لموسم صيف 2026، بزيادة 13 في المائة، مع إطلاق 52 خطا جويا دوليا جديدا خلال النصف الأول من السنة.
لكن خلف هذه الأرقام الوطنية، يختبئ واقع محلي مختلف تماما. فالاقتصاد الصيفي الحقيقي — ذاك الذي يعيش منه بائع الذرة المشوية وكراء الشمسيات وحارس السيارات ومكري الشقق الموسمية — لا يظهر في أي إحصائية، ولا يؤدي أي ضريبة، ولا يخضع لأي مراقبة، ولا يستفيد منه لا الاقتصاد الوطني ولا الجماعات الترابية إلا فتاتا.
"مول الباراسول"... حين يصبح الملك العمومي غنيمة
هذا الصيف، أعلنت السلطات حربا غير مسبوقة على ما يسمى شعبيا "مافيا الشواطئ". ففي الدار البيضاء، شهد شاطئ عين الذئاب إنزالا للسلطات المختصة استهدف أصحاب المظلات الشمسية الذين يترامون على المساحات الرملية، بعدما كانوا يحجزون مساحات شاسعة من الرمال ويضعون المظلات والكراسي بشكل مسبق، محرومين المواطنين من حقهم في استغلال الشاطئ بحرية ومجانا. وفي خطوة لافتة، قررت سلطات جهة الدار البيضاء-سطات تعليق إطلاق أي طلبات عروض جديدة تتعلق بتدبير واستغلال الملك البحري، مع دعوة والي الجهة إلى البحث عن حلول عملية لتدبير الشواطئ دون اللجوء إلى طلبات عروض تفتح الباب أمام الفوضى والاستغلال.
أما في العرائش، فقد اختارت السلطات مقاربة أكثر وضوحا، إذ أصدر عامل الإقليم حزمة من التدابير التنظيمية الخاصة بصيف 2026 تستهدف الحد من الاستغلال العشوائي ومنع التوسع غير القانوني للأنشطة التجارية على حساب حق المواطنين في الولوج المجاني إلى البحر، مع تخصيص 80 في المائة من الشواطئ مجانا للمصطافين. وحملات مماثلة انطلقت في سلا والحسيمة.
هذه الحملات ضرورية ومحمودة، لكنها تعالج العرض ولا تعالج المرض. فـ"مول الباراسول" ليس سوى النتيجة الطبيعية لفراغ تدبيري عمره عقود: حين تتخلى الدولة عن تأطير اقتصاد موسمي بحجم ملايير الدراهم، فإن الطبيعة الاقتصادية لا تعرف الفراغ، ويملأه من يملك القوة على الأرض، لا من يملك الترخيص القانوني.
المفارقة الكبرى: ساحل عملاق واستغلال قزمي
هنا تكمن المفارقة البنيوية التي يجب أن نضع الإصبع عليها. فالمغرب يمتد على أكثر من 3500 كلم من السواحل، ويمتلك منطقة اقتصادية خالصة تناهز 1.2 مليون كلم مربع، ومع ذلك تظل مساهمة الأنشطة البحرية في الناتج الداخلي الإجمالي ضعيفة ومجزأة. تسع جهات من أصل اثنتي عشرة تطل على البحر، ومع ذلك فإن عدد الشواطئ المهيأة والحاصلة على علامات الجودة لا يتجاوز 28 شاطئا إلى جانب أربعة موانئ ترفيهية وبحيرة جبلية واحدة. أي أن مئات الكيلومترات من الشواطئ الصالحة للاصطياف تبقى إما مهملة كليا، أو متروكة للاستغلال العشوائي، أو محتكرة فعليا من طرف لوبيات محلية.
وحتى التجارب الرسمية السابقة لم تسلم من الفشل. فالمخطط الأزرق الذي راهن على إنشاء ستة منتجعات ساحلية كبرى — السعيدية ومازاغان وموغادور وليكسوس وتغازوت باي والشاطئ الأبيض بكلميم — لم يحقق أهدافه، مما أثر سلبا على تطوير الرحلات البحرية السياحية والترفيه البحري.
والمواطن يدفع الثمن مرتين
المفارقة الثانية أن هذا الاقتصاد غير المؤطر لا ينتج فوضى فحسب، بل ينتج غلاء أيضا. فقد جاء صيف 2026 على غير ما كان متوقعا، إذ تعيش عدد من المدن الساحلية حالة من الترقب والحذر، في ظل تراجع وتيرة الحجوزات وارتفاع غير مسبوق في أسعار الإقامة والخدمات، وتأخر ملحوظ في عودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج. بل إن الكثير من المغاربة أصبحوا يشعرون بأن قضاء عطلة صيفية في بعض المدن الساحلية أصبح أكثر كلفة من السفر إلى وجهات خارجية.
وهكذا يدفع المواطن الثمن مرتين: مرة حين يُبتز على رمال شاطئ هو ملك عمومي بقوة القانون، ومرة حين تفرض عليه أسعار موسمية جامحة لا تخضع لأي منطق اقتصادي سوى منطق "خذ ما تستطيع في ثمانية أسابيع".
ماذا تفعل الدول الأخرى بسواحلها؟
في إسبانيا، جارتنا الشمالية، تخضع الأكشاك الشاطئية الشهيرة "تشيرينغيتوس" لنظام امتيازات دقيق: عقود محددة المدة، دفاتر تحملات صارمة، مساحات مرسومة بالمتر المربع، والتزامات بيئية وجبائية واضحة، مع بقاء الشاطئ ملكا عموميا غير قابل للاحتكار. والنتيجة أن السياحة الشاطئية تشكل عمودا فقريا لاقتصاد يستقبل أكثر من 85 مليون سائح سنويا. وفي البرتغال، تحولت شواطئ الغارف من مناطق مهمشة إلى صناعة سياحية متكاملة عبر امتيازات شفافة تدر مداخيل قارة على البلديات.
ولنجعل المقارنة أكثر قسوة ووضوحا، يكفي أن ننظر إلى الضفتين المتقابلتين من نفس البحر. فعلى الساحل الأندلسي الممتد من طريفة إلى مالقا، على بعد 14 كيلومترا فقط من سواحلنا، تنتظم عشرات المدن والمنتجعات الشاطئية — طريفة، الخزيرات، إستيبونا، ماربيا، فوينخيرولا، توريمولينوس، مالقا — في سلسلة سياحية متكاملة: فنادق من كل الفئات، كورنيشات مهيأة على امتداد عشرات الكيلومترات، مدارس للرياضات البحرية وركوب الأمواج جعلت من طريفة عاصمة أوروبية للكايت سيرف، مطاعم ومرافق صحية وأمن شاطئي ومصاعد لذوي الاحتياجات الخاصة، وقطار ساحلي يربط المطار بالمنتجعات. كل كيلومتر من ذلك الساحل يشتغل كوحدة إنتاج اقتصادية تدر مداخيل على البلديات وتشغل السكان على مدار السنة.
وفي المقابل، ماذا عن ساحلنا المتوسطي الممتد من تطوان إلى الحسيمة؟ باستثناء جيوب محدودة كمارينا سمير ومارتيل والمضيق التي تختنق بالاكتظاظ ثمانية أسابيع ثم تدخل سباتا يمتد عشرة أشهر، فإن عشرات الشواطئ الخلابة على طول هذا الشريط — من أجمل شواطئ المتوسط قاطبة — تغرق في العشوائية والإهمال: أزبال متراكمة لا ترفعها الجماعات إلا تحت ضغط الفضائح، غياب شبه تام للمرافق الصحية وقنوات صرف تصب أحيانا مباشرة في البحر، بناء عشوائي يشوه الواجهة البحرية، مواقف سيارات يحتكرها "الشماكرية" بمنطق الإتاوة، وطرق ساحلية ضيقة ومهترئة تجعل الوصول إلى شواطئ بأكملها مغامرة. نفس البحر، نفس الشمس، نفس الرمال — بل إن ضفتنا أجمل طبيعيا — لكن ضفة تنتج ملايير الأوروهات وتشغل مئات الآلاف، وضفة تنتج الفوضى وصور الأزبال التي يتقاسمها المصطافون الغاضبون على مواقع التواصل. المسافة بين الضفتين ليست 14 كيلومترا من الماء، بل عقود من الحكامة.
الفرق ليس في الطبيعة ولا في الجغرافيا — فشواطئنا لا تقل جمالا عن شواطئ ماربيا أو الغارف — بل في الحكامة: هناك، الاقتصاد الموسمي صناعة منظمة؛ وعندنا، لا يزال ريعا موسميا يقتسمه الأقوياء.
ست توصيات لتحويل الصيف من فوضى إلى صناعة
أولا، إحداث إطار قانوني وطني موحد للاقتصاد الموسمي الشاطئي، يحدد بدقة نظام الامتيازات على الملك العمومي البحري: مساحات مرقمة، عقود شفافة عبر منصة رقمية وطنية، دفاتر تحملات تضمن مجانية 80 في المائة على الأقل من كل شاطئ، على غرار ما بادر إليه إقليم العرائش.
ثانيا، إدماج العاملين الموسميين في الاقتصاد المهيكل عبر "مقاول ذاتي موسمي" مبسط: تسجيل رقمي مجاني، تغطية اجتماعية موسمية، ومساهمة جبائية رمزية تصاعدية. فالهدف ليس معاقبة بائع "البوكاديوس" وحارس الشمسيات، بل تحويلهم من ضحايا الهشاشة ورهائن الوسطاء إلى فاعلين اقتصاديين معترف بهم.
ثالثا، إطلاق برنامج وطني لتهيئة الشواطئ غير المستغلة، يستهدف رفع عدد الشواطئ المهيأة من 28 إلى 100 شاطئ في أفق 2030، بشراكة بين الجماعات الترابية والقطاع الخاص المحلي، مع إعطاء الأولوية للشواطئ القريبة من المدن الداخلية الفقيرة سياحيا.
رابعا، تثمين المساحات الساحلية الشاسعة غير المستغلة خارج منطق الإسمنت: قرى بيئية موسمية قابلة للتفكيك، مخيمات عائلية منظمة بأثمنة مقننة، فضاءات للرياضات البحرية والمهرجانات، بما يخلق عرضا شعبيا بديلا يكسر احتكار الفنادق ويمتص جنون الأسعار.
خامسا، مراقبة موسمية حقيقية للأسعار في المدن الساحلية خلال يوليوز وغشت، بلجان مختلطة دائمة وليس حملات استعراضية، مع نشر أثمنة مرجعية للخدمات الشاطئية الأساسية إسوة بما هو معمول به في وجهات متوسطية منافسة.
سادسا، تمديد الموسم نفسه. فالمشكل البنيوي للاقتصاد الموسمي هو قصره: ثمانية أسابيع تتحمل ضغط سنة كاملة. تنويع العرض الساحلي — سياحة المؤتمرات، الرياضات البحرية، سياحة التقاعد الأوروبي شتاء — كفيل بتحويل الساحل من اقتصاد "ضربة الصيف" إلى اقتصاد الأربعة فصول.
خلاصة
لم يعد مقبولا، في بلد يستعد لاحتضان كأس العالم ويبني أكبر ميناء على المتوسط ويمد قطارات فائقة السرعة، أن يظل سؤال الصيف عندنا: من يملك حق وضع شمسية على الرمل؟ إن الفوضى التي تجتاح شواطئنا كل صيف ليست قدرا ولا سوء حظ، بل قرار بالامتناع عن التدبير، تتخذه كل سنة جماعات ترابية تكتفي بالفرجة، وقطاعات وصية تتقاذف المسؤولية، ومصالح محلية تقتات من استمرار العشوائية.
على بعد 14 كيلومترا منا، حوّل جيراننا رمالا أقل جمالا من رمالنا إلى آلة اقتصادية تدر عشرات الملايير وتشغل مئات الآلاف على مدار السنة. ونحن، بـ3500 كيلومتر من السواحل، ما زلنا نحتفل بحملة موسمية تحجز كراسي بلاستيكية من يد "مول الباراسول"، ثم نعيد إنتاج نفس المشهد في الصيف الموالي.
فليكن صيف 2026 آخر صيف تُدار فيه ثروتنا الساحلية بمنطق الغنيمة. فالبحر الذي أعطانا أطول واجهة في المنطقة لن ينتظرنا إلى الأبد، والأجيال القادمة لن تسألنا عن عدد الحملات التي نظمناها، بل عن الثروة التي ضيعناها ونحن نتفرج.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!