البادية تصنع البرلمان والمدينة تتفرّج: مفارقة اقتراع 23 شتنبر

البادية تصنع البرلمان والمدينة تتفرّج: مفارقة اقتراع 23 شتنبر

حين يرحل الناس عن القرى ويبقى صوتها هو الأعلى… 

قراءة في الخريطة المجالية وحساب المقاعد والقاسم الانتخابي

كل سنة تغادر آلاف الأسر دواويرها نحو ضواحي طنجة والدار البيضاء وفاس ومراكش، بحثا عن شغل أو مدرسة أو مستشفى. المغرب يتمدّن بسرعة، والبادية تتقلص سكانيا واقتصاديا. غير أن صناديق 23 شتنبر 2026 قالت شيئا آخر: القرية، التي يهجرها أبناؤها، هي التي رسمت وجه البرلمان الجديد، وهي التي منحت حزب "التراكتور" صدارة لم يبلغها من قبل.

أرقام لا تستقيم

المفارقة تبدأ من الإحصاء. فحصة سكان المجال القروي تبلغ قرابة 37 في المائة من السكان وفق معطيات الإحصاء العام لسنة 2024، لكن وزن هذا المجال في اللوائح الانتخابية أكبر بكثير، إذ تتوزع الكتلة الناخبة بين الوسطين الحضري والقروي بنسبة 55 و45 في المائة. ثم يتضخم الوزن أكثر عند المقاعد: يتوزع النواب الـ395 بين 222 نائبا عن مناطق مصنفة ضمن القرى والبوادي، و173 نائبا عن المدن والحواضر.

بعبارة أبسط: أقل من أربعة مغاربة من كل عشرة يعيشون في البادية، لكن أكثر من نصف مجلس النواب يأتي منها.

وحين ننظر إلى الفائز، تتضح الصورة. فمن أصل 97 مقعدا حصل عليها الأصالة والمعاصرة، يصنف 63 مقعدا ضمن القرى والبوادي مقابل 34 في المدن والحواضر، أي نحو ثلثي رصيده. والاتجاه ذاته عند شريكه السابق، إذ حصل التجمع الوطني للأحرار على 40 مقعدا في القرى والبوادي و26 في المدن. في المقابل، يقف العدالة والتنمية على الضفة الأخرى تماما: 43 مقعدا ضمن المدن والحواضر مقابل 11 فقط في القرى والبوادي.

نحن إذن أمام خريطتين: مغرب قروي يصوّت للأحزاب ذات الامتداد المحلي والأعيان، ومغرب حضري يصوّت، حين يصوّت، تصويتا أقرب إلى الاختيار السياسي.

مدينة صامتة وبادية حاضرة

لا يمكن فهم هذه المفارقة بمعزل عن المشاركة. فقد شارك في اقتراع 23 شتنبر ما يقارب ستة ملايين ناخبة وناخب، مقابل نسبة مشاركة بلغت 50.86 في المائة في انتخابات 2021 و42.27 في المائة في انتخابات 2016، ولم تتجاوز النسبة هذه المرة 38 في المائة. ستة ملايين صوت من أصل 15.801.162 مسجلا، في بلد يفوق عدد سكانه 36 مليونا.

في المدن الكبرى، يعزف جزء واسع من الطبقة الوسطى والشباب عن الصناديق، إما احتجاجا أو لامبالاة. أما في البادية، فالصوت يتحرك داخل شبكات قرب قديمة: المنتخب الذي يعرفه الجميع، والوسيط الذي يُصلح الطريق ويُسرّع الوثيقة. وقد أعادت هذه النتائج، كما لاحظت قراءات عديدة، النقاش حول الوزن الذي لا تزال تحظى به شبكات المرشحين والأعيان في بعض المجالات، في مقابل حضور تصويت أكثر ارتباطا بالاختيار السياسي.

والنتيجة أن المدينة، التي تنتج معظم الثروة وتحتضن أغلب السكان، تترك مقعدها فارغا، فتملؤه البادية.

صوت يساوي مقعدا… وآخر لا يساوي شيئا

لكن المشاركة وحدها لا تفسر كل شيء. فالآلية التي تحوّل الأصوات إلى مقاعد هي الحلقة الأكثر إثارة. منذ 2021، أصبح القاسم الانتخابي يُحتسب انطلاقا من عدد الناخبين المقيدين، وليس من عدد الأصوات المعبر عنها أو عدد المصوتين، وحذفت الإصلاحات كل عتبة.

لنحسب ببساطة. 15.8 مليون مسجل مقسومة على 305 مقاعد محلية تعطي قاسما متوسطا يقارب 51.800 صوت للمقعد الواحد. غير أن ما صُوّت فعلا لا يتجاوز في المعدل نحو 19.700 صوت لكل مقعد. أي أن القاسم أعلى بأكثر من مرتين ونصف من الأصوات الموجودة فعلا.

في دائرة من أربعة مقاعد بمشاركة في حدود المعدل الوطني، تحتاج اللائحة إلى نحو ثلثي الأصوات المعبر عنها لتبلغ قاسما واحدا فقط. وفي دائرة من ثلاثة مقاعد، ترتفع النسبة إلى قرابة 88 في المائة. أما في دائرة من مقعدين، فبلوغ القاسم مستحيل حسابيا. النتيجة: تكاد كل المقاعد توزَّع بقاعدة "أكبر البقايا"، وتحصل كل لائحة من اللوائح الأولى على مقعد واحد، مهما كان الفارق بينها.

فلأن القاسم مرتفع جدا قياسا بالأصوات المعبر عنها، تجعل هذه الآلية فوز لائحة واحدة بمقعدين في الدائرة نفسها شبه مستحيل. فعدد المنتخبين لا يتوقف على الترتيب وحده، بل على البقايا. اللائحة الأولى التي حصدت ثلاثة أضعاف أصوات الرابعة تخرج بالحصيلة نفسها: مقعد لكل منهما.

هنا يولد الخلل بين الأصوات والمقاعد. الحزب القوي انتخابيا في المدن الكبرى، حيث تتركز أصواته في دوائر قليلة، يُعاقَب لأن فائض أصواته يضيع. أما الحزب المنتشر على عدد كبير من الدوائر القروية الصغيرة، حيث يكفي أن تحل ضمن الأوائل، فيجمع المقاعد واحدا واحدا. الانتشار الجغرافي صار أهم من الكثافة الانتخابية.

القاسم الذي حيّر الخارج

هذه الصيغة تكاد تكون بلا نظير في الأنظمة الانتخابية المقارنة. فالأصل في التمثيل النسبي أن تُقسَّم المقاعد على من صوّتوا، لا على من تغيّبوا. أما في المغرب، فالمقاطع يدخل في الحساب دون أن يصوّت. ولذلك لم يكن غريبا أن يظل هذا النمط من الحساب مثار جدل حتى في الصحافة الدولية، وأن يتعامل معه مراقبون أجانب بكثير من الاستغراب.

داخليا، ينقسم الرأي. أستاذ العلوم السياسية إسماعيل حمودي اعتبر اعتماد هذا القاسم "هندسة مسبقة للعملية الانتخابية" تمس مبدأ المساواة بين الأصوات. ويرى المنتقدون عموما أن هذه الصيغة تفصل توزيع المقاعد عن الوزن الفعلي للأصوات، وتجعل المقاطعة حاضرة في معادلة التمثيلية، وتفتح الباب أمام حصول أحزاب على مقاعد بأصوات محدودة.

في المقابل، يدافع أنصارها عن كونها تحمي التعددية وتمنع هيمنة حزب واحد، وتمنح الأحزاب المتوسطة فرصة تمثيل. وهي حجة لها وزنها في بلد عاش تجربة القطبية الحادة. لكنها حجة تتجاهل سؤالا جوهريا: هل التعددية المصنوعة بالحساب هي نفسها التعددية المعبر عنها بالصوت؟

رواية الفائز

للإنصاف، يرفض "البام" اختزال انتصاره في "مقاعد القرى". فقد رد مصدر قيادي في الحزب بأن نتائجه في الرباط ومراكش وجهة الشرق تفند حصر امتداده في العالم القروي، مستشهدا بـحصوله على ثمانية مقاعد محلية من أصل 23 في جهة الشرق. كما أن الأرقام المجالية نفسها تحتاج حذرا، لأن التقطيع الانتخابي يجمع في عدد من الدوائر بين مراكز حضرية وجماعات قروية، فلا يعني تصنيف المقعد أن كل أصواته جاءت من مجال واحد.

غير أن هذا التحفظ لا يلغي الصورة العامة، بل يؤكد أن التقطيع ذاته جزء من المعادلة.

سؤال الشرعية

تختصر انتخابات 2026 ثلاث مفارقات في مشهد واحد: بادية تتقلص سكانيا وتتضخم تمثيليا، ومدن تتسع وتنسحب من الصناديق، وقاسم انتخابي يساوي بين الأول والرابع ويُدخل الغائب في حساب الحاضر.

الحكومة المقبلة ستستمد شرعيتها من برلمان انتخبه أقل من أربعة من كل عشرة مسجلين، ومنح الريف المغربي فيه ثقلا يفوق وزنه الديمغرافي. هذا ليس طعنا في نزاهة الاقتراع، بل سؤال عن عدالة القواعد. والسؤال الذي يجب أن يُطرح قبل 2031 ليس: من فاز؟ بل: هل يعكس البرلمان المغرب كما هو، أم المغرب كما تريده المعادلة؟

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك