البطالة في المغرب: حين يكذب الرقم ويفضح الواقع

البطالة في المغرب: حين يكذب الرقم ويفضح الواقع

في كل مرة تُعلن فيها أرقام البطالة، يتسابق المسؤولون إلى الميكروفونات وتمتلئ الصفحات الأولى بعناوين التطمين. وفي كل مرة، يبقى الشاب المغربي في مكانه: على قارعة الطريق، في المقهى، أمام الشاشة، ينتظر شيئًا لم يتعلم كيف يصنعه بيده.

المغرب لا يعاني بالمعنى الكلاسيكي من شُح الفرص، هو يعاني من شيء أخطر وأصعب علاجًا: فجوة بين ما يُعرض في سوق الشغل وما يملكه الشباب من كفاءات حقيقية، وبين ما يريده هذا الشباب من الحياة وما يستحقه فعلًا. فجوة غذّتها سنوات من التعليم المنفصل عن الواقع، وأجيال نشأت على ثقافة الوظيفة الجاهزة، وأخيرًا عالم رقمي يبيع وهم الثراء السريع لمن لم يتعلموا بعد أن كل ما يلمع ليس ذهبًا.

هذا المقال ليس دفاعًا عن المنظومة، ولا هجومًا مجانيًا على جيل بأكمله. هو محاولة للنظر في المرآة بعيون مفتوحة، والقول بصوت واضح ما يُهمَس به في الكواليس: المشكلة ليست فقط في الاقتصاد، بل فينا جميعًا.

أولًا: الرقم الذي يطمئن والحقيقة التي تقلق

حين تسمع أن معدل البطالة في المغرب تراجع إلى حدود 13% خلال عام 2025 مع توفير نحو 193 ألف منصب شغل جديد، قد تتنفس الصعداء وتظن أن البلد يسير في الاتجاه الصحيح. لكن الأرقام، كما يُقال، لا تكذب فقط حين تُختلق، بل تكذب أيضًا حين تُقرأ بصورة انتقائية.

الحقيقة الكاملة تقول شيئًا آخر. بطالة الشباب بين 15 و24 سنة لا تزال عند مستويات مرتفعة جدًا، تصل إلى 37.2%، وهو رقم يجعل المغرب في مصاف الدول التي تعاني أزمة شبابية حادة في سوق الشغل. أي أن شابًا واحدًا من كل ثلاثة شباب مغاربة في سن العطاء والعمل، لا يجد ما يفعله. وهذا المؤشر وحده كافٍ لإسقاط كل تفاؤل السطح.

بل إن التمعن في الأرقام يكشف تناقضات أعمق. عدد العاملين الذين يعانون من نقص في ساعات العمل بلغ 664 ألف شخص، فيما ارتفع عدد من يعانون من دخل غير كاف أو عدم ملاءمة الشغل مع مؤهلاتهم إلى 590 ألفًا. معنى ذلك أن جزءًا كبيرًا ممن "يشتغلون" رسميًا، يعيشون في الواقع في منطقة رمادية بين الشغل والبطالة. فهل هذا تشغيل حقيقي؟

ثانيًا: أزمة كفاءة قبل أن تكون أزمة فرص

ثمة سؤال يتجنب كثيرون طرحه بشكل صريح: هل المشكلة فعلًا في غياب الفرص، أم في غياب من يستحقها؟

خبراء يرون أن الوضعية ترتبط بعدة عوامل، أبرزها ضعف ملاءمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل، وتمركز الفرص في المدن، إضافة إلى تأثر بعض القطاعات بالجفاف والتقلبات الاقتصادية. وهذا صحيح جزئيًا. لكن هناك وجه آخر للأزمة لا يُقال بصوت عالٍ: الشباب الذي لا يريد أن يتكوّن، ولا يريد أن يبدأ من الصفر.

في قطاع السيارات مثلًا، الذي أصبح يحتل المرتبة الأولى في الصادرات الصناعية المغربية منذ 2017، يعاني المصنعون من نقص متزايد في الأطر التقنية المتوسطة والمتخصصة، رغم تعدد الشراكات مع مصنعين عالميين. وهو ما يعني ببساطة أن الفرص موجودة، لكن من يملك الكفاءة لملئها شحيح. المفارقة أن هذا يحدث في بلد تعاني فيه نسبة الشباب العاطل أرقامًا صادمة.

سوق الشغل المغربي يعاني من اختلالات هيكلية تجعل من الصعب تحقيق توازن بين العرض والطلب؛ فمن جهة، عدد الخريجين الذين يلتحقون بسوق العمل في تزايد مستمر، لكن من جهة أخرى، عددًا كبيرًا من المقاولات تبحث عن كفاءات متخصصة لا توفرها الجامعات المغربية، مما يدفعها إلى تقليص عروض العمل أو الاعتماد على الكفاءات الأجنبية.

هذا هو قلب المشكلة: شهادات دون مهارات، ودبلومات دون قيمة في السوق.

ثالثًا: وهم الشاشة وسراب النجاح السريع

لكن هناك قوة خفية تُغذّي هذه الهوّة وتوسّعها يومًا بعد يوم: مواقع التواصل الاجتماعي التي أعادت رسم خيال الشباب حول ما يعنيه النجاح.

دراسة حديثة أعدتها مجموعة "سونرجيا" المختصة في أبحاث السوق رصدت ارتفاعًا ملحوظًا في عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، وهو ما يعني أن الشاشة أصبحت المرجع الأول لقطاع واسع من الشباب في فهم الحياة والعمل والثروة.

والخطورة ليست في الاستخدام، بل فيما يُصنّعه هذا الاستخدام داخل الأذهان. استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مفرط يمكن أن يؤدي إلى الإدمان، مما يؤثر سلبًا على الحياة الدراسية والمهنية للشباب، إذ يجد كثيرون أنفسهم غير قادرين على التركيز في دراستهم أو أعمالهم نتيجة التشتت الدائم.

لكن هذا مجرد أثر جانبي. الأثر الجوهري أعمق: تيك توك وإنستغرام ويوتيوب تُنتج يوميًا آلاف المحتويات التي تُصوّر الثراء كأنه نتيجة طبيعية لمجرد "الحضور الرقمي". شاب في الثانية والعشرين يركض بسيارة فارهة، آخر يُظهر فندقًا فاخرًا، وثالث يتحدث عن "بزنيس" جناه في أسابيع. ما لا يُظهره المحتوى هو سنوات الفشل، وديون التمويل، والصورة المركّبة بعناية.

التطورات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات أصبح لها تأثير كبير على فئة الشباب بين 15 و35 سنة، وتُلاحَظ ظاهرة تراجع الروابط الاجتماعية بسبب الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، وبروز الفردانية بصورة غير مسبوقة. وهذه الفردانية لها ثمن: شاب يؤمن أنه يستحق كل شيء الآن، وأن الصبر مضيعة للوقت، وأن العمل الشاق للآخرين نوع من السذاجة.

النتيجة؟ جيل يرفض العمل في "ما هو متوفر"، لأن رأسه مشغول بـ"ما يتمنى" دون أن يدفع ثمن الطريق، مصنع يحتاج عمالًا مهرة لا يجد من يتقدم، مطعم يبحث عن طباخ لا يُكمل أسبوعه الأول، ورشة تقنية تعلن عن منصب شاغر لأشهر متتالية.

رابعًا: مسؤولية لا يمكن توزيعها بالتساوي

من السهل أن نحمّل الشاب وحده المسؤولية. لكن الإنصاف يقتضي توزيع الأدوار بعدالة.

المنظومة التعليمية تتحمل نصيبًا وافرًا. تقارير وطنية ودولية تؤكد أن الملاءمة بين التكوين المهني ومتطلبات القطاعات لا تزال نسبية وغير كافية لتغطية الطلب على الكفاءات المؤهلة، خاصة في المهن الرقمية والصيانة الصناعية واللوجستيك. جامعات تُخرّج آلاف الخريجين سنويًا في تخصصات لا يسأل عنها سوق الشغل، بينما تعاني قطاعات بأكملها من جفاف في الكفاءات.

والأسرة المغربية بدورها لم تبرّأ من هذه المعادلة. ثقافة "الوظيفة الحكومية" التي تربّى عليها أجيال أفضت إلى مجتمع يرى في العمل الخاص والمهني مرحلة انتظار لا مسارًا حقيقيًا. الابن الذي يرفض العمل في التقنية أو الحرف الرقمية "لأنه حامل شهادة" لم يصنع هذه القناعة وحده.

أما الدولة، فرغم ما تُعلنه من برامج وخطط، فإن الحل لا يكمن في إطلاق برامج تشغيل عامة وفضفاضة، بل في اعتماد منطق عقود أداء واضحة، تقوم على استثمار مشروط بمؤشرات شغل، وتكوين ممول بنتائج الإدماج الفعلي، مع تركيز خاص على الفئات والجهات الأكثر تضررًا. خطاب التشغيل الرسمي يكثر من الأرقام ويشح من النتائج.

خامسًا: جيل في مفترق طرق

الخطر الأكبر لا يكمن في الحاضر، بل في ما هو قادم. دراسة حديثة أنجزتها جامعة ستانفورد في نهاية 2025 أظهرت أن التراجع في فرص التشغيل طال أساسًا الفئات الشابة الموجودة في بداية المسار المهني، بينما ظل الطلب أكثر استقرارًا على العاملين الذين يمتلكون خبرة مهنية متقدمة. أي أن الشاب الذي لا يبدأ اليوم، يخسر اليوم وغدًا معًا.

والأتمتة والذكاء الاصطناعي تُضيّق الهامش أكثر. الإشكال لم يعد مرتبطًا بالحصول على شهادة أو تكوين أولي فقط، بل بقدرة الأفراد على اكتساب كفاءات جديدة بشكل متواصل كلما تغيرت متطلبات المهن أو ظهرت أدوات جديدة. في هذا السياق، شاب يضيع ساعات يوميًا في التمرير اللامنتهي على الشاشة دون أن يُكوّن نفسه، يُراكم خسارة صامتة يصعب تعويضها لاحقًا.

خلاصة: الصدق قبل الحل

الحديث عن البطالة في المغرب يستلزم شجاعة أدبية نادرة: الاعتراف بأن جزءًا من الأزمة ثقافي قبل أن يكون اقتصاديًا، وأن إصلاح سوق الشغل يبدأ بإصلاح ما نريده من الحياة.

المغرب يشهد تحولًا متسارعًا في طبيعة سوق العمل مع تزايد إقبال الشباب على الأنشطة الرقمية، إذ أصبح العمل عبر الإنترنت خيارًا واقعيًا لعدد متنامٍ من الفئات في مجالات مثل التسويق الإلكتروني والتصميم والبرمجة وإدارة المحتوى. هذا التحول إيجابي إذا كان يبنيه شباب يتعلم ويشتغل فعلًا، لا شباب يحلم بالشهرة السريعة.

المطبخ لا يُبنى في يوم، والمقاولة لا تُربح في أسبوع، والكفاءة لا تُكتسب من مشاهدة الآخرين.

الطريق طويل، والصبر ليس ضعفًا، بل هو أول درس في مدرسة النجاح الحقيقي.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك