التضخم والقدرة الشرائية: اختبار توازن الطبقة المتوسطة في المغرب

التضخم والقدرة الشرائية: اختبار توازن الطبقة المتوسطة في المغرب

قراءة تنموية في أثر ارتفاع الأسعار على التوازن الاجتماعي.

حين تتحرك الأسعار، لا يتحرك رقم في نشرة إحصائية فقط، بل يهتز توازن اجتماعي كامل. فالتضخم، سواء في صعوده أو تراجعه، ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل مرآة دقيقة لحالة المجتمع، ومقياس غير مباشر لمدى صلابة طبقته المتوسطة وخلال السنوات الأخيرة شهد الاقتصاد العالمي موجات تضخمية ملحوظة نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية. والمغرب، باعتباره جزءًا من هذا السياق العالمي، لم يكن بمنأى عن هذه التحولات، وإن اختلفت حدتها ومساراتها.

تشير المعطيات الأخيرة إلى أن مؤشر أسعار المستهلك في المغرب سجل انخفاضًا بنسبة 0.8% على أساس سنوي خلال يناير 2026، بعد تراجع بنسبة 0.3% في الشهرين السابقين. ويعزى هذا الانخفاض أساسًا إلى تراجع أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية (-2.4%)، والنقل (-2.9%)، إضافة إلى استقرار نسبي في الاتصالات والترفيه. لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الاتجاه المعاكس، إذ سجلت بعض القطاعات ارتفاعًا ملحوظًا، من بينها المشروبات الكحولية والتبغ (+3.7%)، والسلع والخدمات المتنوعة (+2.8%)، والمطاعم والفنادق (+2.3%)، والتعليم (+2.1%). وعلى أساس شهري، عاد المؤشر ليسجل ارتفاعًا بنسبة 0.3%، ما يعكس استمرار التقلب في دينامية الأسعار. قد يبدو هذا المشهد متناقضًا: تراجع سنوي يقابله ارتفاع شهري وانتقائي في بعض الخدمات. غير أن الأثر الحقيقي يُقاس بمدى انعكاس هذه التحولات على القدرة الشرائية، خصوصًا لدى الطبقة المتوسطة التي تعتمد غالبًا على دخل ثابت أو شبه ثابت.

فالطبقة المتوسطة هي الفئة التي تتحمل كلفة السكن والتعليم والنقل والصحة، وتخصص نسبة كبيرة من دخلها للاستهلاك الأساسي. وتشير تقديرات تقريبية إلى أن نفقات الغذاء تمثل ما يقارب ثلث ميزانية الأسر المغربية، وهي نسبة تفوق مثيلاتها في عدد من الاقتصادات المتقدمة، ما يجعل أي تغير في أسعار المواد الأساسية ذا أثر مباشر وسريع على التوازن المالي للأسر.

وفي المقابل، أفادت المندوبية السامية للتخطيط أن الإنفاق الداخلي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من سنة 2025 ارتفع بنسبة 7.6% مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة، كما سجل إنفاق الأسر ارتفاعًا بنسبة 3.9%، مقابل 3% سابقًا. هذه المؤشرات تعكس حركية اقتصادية إيجابية نسبيًا، وتدل على استمرار الطلب الداخلي كمحرك رئيسي للنمو.

وفي المقابل، أفادت المندوبية السامية للتخطيط أن الإنفاق الداخلي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من سنة 2025 ارتفع بنسبة 7.6% مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة، كما سجل إنفاق الأسر ارتفاعًا بنسبة 3.9%، مقابل 3% سابقًا. هذه المؤشرات تعكس حركية اقتصادية إيجابية نسبيًا، وتدل على استمرار الطلب الداخلي كمحرك رئيسي للنمو.

التضخم في جزء منه مستورد، مرتبط بتقلبات الأسواق الدولية، خاصة في الطاقة والحبوب، لكن كيفية إدارة أثره داخليًا تبقى عاملًا حاسمًا، فبين السياسة النقدية التي تضبط مستويات السيولة وأسعار الفائدة، والسياسات الإنتاجية التي تعزز العرض المحلي، يتحدد هامش المناورة المتاح للاقتصاد الوطني.

وعلى المدى المتوسط، يظل رفع الإنتاجية وتعزيز التصنيع المحلي السبيل الأكثر استدامة لتقليص أثر الصدمات الخارجية، فكلما ارتفع العرض المحلي وتحسنت الكفاءة الإنتاجية، تراجع الضغط على الأسعار، وازدادت مرونة الاقتصاد.

في النهاية، لا تُقاس قوة الطبقة المتوسطة فقط بمستوى دخلها، بل بقدرتها على الحفاظ على توازنها المالي وسط التقلبات. فحين تصمد هذه الفئة، يصمد معها الطلب الداخلي، ويصمد الاقتصاد ككل.

فالاستقرار الاقتصادي لا يعني غياب التحديات، بل حسن إدارتها، والسؤال الحقيقي ليس كم تغيرت الأسعار، بل إلى أي مدى ما زالت الطبقة المتوسطة قادرة على الصمود.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك