مقدمة
في كل مساء، وفي آلاف البيوت المغربية، تتكرر المشهد ذاته: طفل منهك يجلس أمام كومة من الكراسات، وأبوان مرهقان بعد يوم عمل طويل، وجو مشحون لا يحتاج سوى شرارة صغيرة لتشتعل. تبدأ الأمور بهدوء “افتح كراسة الحساب” ثم تتصاعد ببطء حتى تنتهي بالصراخ والبكاء والأبواب المُغلقة بعنف. وفي اليوم التالي، يعود الجميع إلى نقطة الصفر، ليتكرر المشهد من جديد.
هذه ليست قصة عائلة بعينها، بل هي واقع يومي يعيشه المغاربة في صمت، كأن الأمر طبيعي لا يستحق التوقف عنده.
منظومة تعليمية تثقل كاهل الطفولة
لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون النظر في جذورها، وهي منظومة تعليمية بُنيت على فلسفة واحدة: الكم. كميّة الدروس، كمية الواجبات، كمية الامتحانات. فالطفل المغربي يجلس في الفصل ست ساعات يومياً، ثم يعود إلى البيت ليجلس ساعتين أو ثلاثاً أخرى أمام الدفاتر، في حين أن الدراسات التربوية الحديثة تؤكد أن الطفل دون العاشرة لا يستطيع التركيز بفاعلية أكثر من عشرين دقيقة متواصلة.
الواجبات المنزلية في مستواها الحالي لا تُعلّم الطفل الاستقلالية بقدر ما تُعلّمه الكراهية ،كراهية المدرسة، كراهية الكتب، وأحياناً، وهذا ما لا يُقال بصوت عالٍ، كراهية اللحظات الصعبة مع الوالدين.
الحرب المنزلية التي لا يتحدث عنها أحد
حين يعود الأب أو الأم من العمل متعبَين، يجدان أمامهما مهمة إضافية لا راتب لها ولا نهاية واضحة: مراجعة الدروس. وما يجعل هذا الوضع أكثر تعقيداً أن كثيراً من الآباء إما نسوا المادة تماماً، وإما أن المناهج تغيّرت عمّا درسوه. فيتحوّل الواجب البسيط إلى مصدر توتر حقيقي، وتتحوّل جلسة المراجعة إلى ما يشبه الاستجواب.
الطفل من جهته لا يفهم لماذا الكبير يغضب بهذه الطريقة على مسألة في الرياضيات. يشعر بالعجز، بالخزي، وأحياناً بالغرابة: “هل المشكلة فيّ؟ هل أنا أغبى من غيري؟” هذه الأسئلة الصامتة هي الأخطر من أي نتيجة سيّئة في الفرض.
ما تقوله العلوم وما نتجاهله
علم النفس التربوي لا يترك مجالاً للتأويل: الطفل الذي يتعلم في جوّ من الضغط والخوف يحتفظ في ذاكرته بالمشاعر السلبية أكثر بكثير من المعلومات نفسها. الذاكرة العاطفية أقوى وأعمق وأطول عمراً من الذاكرة المعرفية.
بمعنى آخر: طفل يتعلم قاعدة نحوية وهو خائف سيحفظها ليلة الامتحان ثم ينساها. أما الخوف نفسه، والضغط، والإحساس بأنه “لم يكن كافياً”، فهذا ما سيحمله معه سنوات طويلة.
الدراسات في علم الأعصاب تُظهر أيضاً أن التوتر المزمن لدى الأطفال يؤثر سلباً على نمو الفص الجبهي للدماغ، وهو المسؤول عن التخطيط والإبداع وحل المشكلات ، أي بالضبط ما يُراد من التعليم أن يُنمّيه.
بعد عشر سنوات… ماذا يتذكر الأبناء؟
هنا يكمن جوهر الموضوع كله.
اسأل أي شخص بالغ عن طفولته المدرسية، لن يتذكر درجات الرياضيات ولا نتائج الفروض الكتابية. لكنه سيتذكر بتفاصيل دقيقة: كيف كانت أمه تصرخ، وكيف كان والده يضرب الطاولة من الإحباط، وكيف كانت دموعه تسقط على الكراس دون أن يجرؤ على الكلام او الشرح. سيتذكر مشاعر الإهانة، أو مشاعر الوحدة، أو على العكس، سيتذكر يد الأب الحانية حين جلس بجانبه بصبر ويشرح له المسألة بلطف حتى يفهم.
الذاكرة لا تحتفظ بالدرجات. الذاكرة تحتفظ بالمشاعر.
وحين يُصبح هؤلاء الأطفال آباء بدورهم، يُعيدون إنتاج نفس النمط الذي عاشوه، ليس لأنهم يريدون ذلك، بل لأنه ما عُلِّموه دون أن يدروا.
نحو تعليم يحترم الطفولة
الحل ليس في إلغاء الواجبات المنزلية كلياً، ولا في التخلي عن المتابعة. الحل في تغيير العلاقة مع هذا الواجب.
أولاً: الوالدان ليسا أستاذَين. دورهما أن يخلقا جواً آمناً للتعلم، لا أن يحلّوا المسائل بدلاً من الطفل أو أن يُحوّلوا البيت إلى فصل دراسي مشحون.
ثانياً: الخطأ ليس كارثة. الطفل الذي يُخطئ ولا يُعاقَب على خطئه يتعلم من خطئه. الطفل الذي يُعاقَب يتعلم أن يخاف الخطأ، وهو ما يُميت الفضول ويُطفئ الرغبة في المحاولة.
ثالثاً: المدرسة وحدها لا يمكنها بناء إنسان. ما يبنيه الآباء في لحظات الهدوء والحنان، لا يبنيه أي كتاب مدرسي.
رابعاً: نفسية الطفل ليست رفاهية. إنها الأساس الذي سيُبنى عليه كل شيء الثقة بالنفس، القدرة على تكوين علاقات صحية، والشجاعة على مواجهة الحياة.
خاتمة
المغرب يحتاج نقاشاً صادقاً حول التعليم، لكنه يحتاج أيضاً نقاشاً أكثر جرأة حول ما يجري داخل البيوت كل مساء. حين نُقيّم منظومة تعليمية، ينبغي ألا نقيسها فقط بنسب النجاح في الباكالوريا، بل بالسؤال الأصعب: كيف يشعر أطفالنا حين يكبرون؟ هل يتذكرون بيوتهم ملاذاً أو ساحة معركة؟
الدرجة التي سيحصل عليها طفلك غداً ستُنسى. لكن الطريقة التي أشعرته بها الليلة ستبقى.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!