منذ أن فتحت شركة “صوماكا” أبوابها في الدار البيضاء سنة 1959، ظل سوق السيارات المغربي حديقة خلفية للصناعة الفرنسية. المنشأة التي تملك رونو 80% منها وبيجو-سيتروين 20% كانت الترجمة الصناعية لعلاقة اقتصادية ورثها المغرب عن الحقبة الاستعمارية ورعاها لعقود: الفرنسيون يصنعون، والمغاربة يشترون. واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، يبدو أن هذه المعادلة بدأت تتصدع من حيث لم يتوقع أحد: من الشرق.
الأرقام لا تحتمل التأويل. فوفق أحدث إحصائيات جمعية مستوردي السيارات بالمغرب، ارتفعت حصة العلامات الصينية إلى 11.3 في المائة من مبيعات السيارات الجديدة مع نهاية يونيو 2026، مقابل 4.8 في المائة فقط خلال الفترة نفسها من 2025. أي أن الحصة تضاعفت مرتين ونصف في سنة واحدة. وقد باعت 21 علامة صينية نحو 13 ألفاً و148 وحدة خلال النصف الأول من السنة، في سوق بلغت مبيعاته التراكمية بين يناير ويونيو 131 ألفاً و748 وحدة.
من أين جاء هذا الزحف؟
الجواب المباشر: من جيب المستهلك المغربي. فالمواطن الذي أنهكه الغلاء لم يعد يشتري “الولاء التاريخي” بل يشتري القيمة. السيارة الصينية تقدم اليوم تجهيزات وتقنيات كانت حكراً على الفئات الراقية من العلامات الأوروبية، بسعر يقل بعشرات الآلاف من الدراهم. وتستفيد هذه العلامات من تقديم سيارات مجهزة بتقنيات حديثة وأسعار أكثر تنافسية، خاصة في فئتي السيارات الكهربائية والهجينة، وهي الفئة التي قفزت حصتها إلى 16.8% من التسجيلات مقابل نحو 10% فقط قبل عام.
ورغم ذلك، ما تزال الهيمنة الفرنسية قائمة في الواجهة: “داسيا” تتصدر بحصة 22.71% تليها “رونو” بحصة 18.54%. لكن الفارق الجوهري أن هذه الهيمنة لم تعد محصنة، بل باتت مهددة في عقر دارها.
المفارقة: المغرب يصنع للفرنسيين ويشتري من الصينيين
هنا يكمن جوهر التحول. فالمغرب ليس مجرد سوق استهلاكية، بل قوة صناعية إقليمية بُنيت أساساً على الاستثمار الفرنسي: مصنع رونو في طنجة يُعد من أكثر المصانع كفاءة عالمياً بطاقة تفوق 300 ألف سيارة سنوياً، وستيلانتيس رفعت إنتاجها إلى 500 ألف سيارة. هذه المنظومة جعلت صادرات القطاع تناهز 20 مليار دولار، وهو أول قطاع تصديري في البلاد.
لكن الصين لم تدخل من باب البيع فقط، بل من باب المصنع أيضاً. فمجموعة “غوشن هاي تك” وقعت اتفاقية لإنجاز أول منظومة صناعية ضخمة لبطاريات السيارات الكهربائية في القنيطرة باستثمار أولي يناهز 12.8 مليار درهم يرتفع لاحقاً إلى 65 مليار درهم، مع طاقة إنتاجية تبدأ بـ20 جيغاواط/ساعة وتصل إلى 100 جيغاواط/ساعة، وخلق 17 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة. ومن المقرر أن يدخل المصنع حيز الإنتاج في غشت 2026، أي بعد أسابيع قليلة.
والمنطق الصيني واضح: وجود مصانع رونو وستيلانتيس على الأرض المغربية يعني طلباً فعلياً على البطاريات، فضلاً عن القرب من الأسواق الأوروبية التي تشترط نسباً أعلى من المحتوى المحلي، فالشركات الصينية التي تستثمر بالمغرب تضمن لنفسها الوصول إلى أسواق أوروبية أقامت حواجز أمام منتجاتها المباشرة. المغرب إذن ليس سوقاً فحسب، بل جسر عبور نحو أوروبا.
الوجه الآخر للعملة
غير أن هذا “الغزو” له كلفته. فقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين 10.96 مليار دولار سنة 2025، صدّرت الصين منها 9.88 مليار دولار ولم تستورد من المغرب سوى 1.08 مليار دولار. عجز تجاري صارخ بنسبة تقارب تسعة إلى واحد، يعني أن كل سيارة صينية تُباع بالمغرب اليوم هي عملة صعبة تخرج ولا تعود، ما دامت هذه العلامات تستورد ولا تصنع محلياً.
ما العمل؟
أمام هذا التحول، نقترح ستة مسارات عملية:
- اشتراط التصنيع المحلي: ربط أي توسع للعلامات الصينية في السوق بالتزامات إنتاج أو تجميع محلي، على غرار ما فعلته البرازيل وتركيا مع المصنعين الآسيويين.
- رفع نسبة الاندماج المحلي: توجيه مصنع غوشن ومشاريع البطاريات لتغذية سلسلة قيمة مغربية، لا أن تبقى جزراً تصديرية معزولة.
- تقليص العجز التجاري مع الصين: التفاوض على فتح السوق الصينية أمام الصادرات المغربية الفلاحية والفوسفاطية مقابل الانفتاح على سياراتها.
- حماية المستهلك في خدمات ما بعد البيع: إلزام المستوردين الجدد بشبكات صيانة وقطع غيار ومعايير ضمان واضحة قبل الترخيص.
- تسريع البنية التحتية للشحن الكهربائي: فلا معنى لسوق كهربائية متنامية بدون محطات شحن تغطي المحاور الطرقية الكبرى.
- تنويع الشراكات دون قطيعة: الاستثمار الفرنسي يشغّل مئات الآلاف من المغاربة، والحكمة تقتضي جعل المنافسة الصينية ورقة تفاوض لتحسين شروط الشراكة مع الجميع، لا استبدال تبعية بأخرى.
خلاصة
ما يجري في سوق السيارات المغربي ليس مجرد تقلب في الحصص التجارية، بل إعلان نهاية عهد الاحتكار الفرنسي الذي دام منذ الاستقلال. المغرب يقف اليوم في موقع نادر: مصنع للأوروبيين، وسوق للصينيين، وبوابة بين الاثنين. وإما أن يحوّل هذا الموقع إلى قوة تفاوضية تفرض التصنيع المحلي وتوازن الميزان التجاري، وإما أن يستبدل تبعية قديمة لباريس بتبعية جديدة لبكين. الفرصة سانحة، والقرار مغربي.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!