الجالية تعود: عملية "مرحبا" بين صلة الرحم واستعراض الثروة

الجالية تعود: عملية "مرحبا" بين صلة الرحم واستعراض الثروة

في كل صيف، يتكرر المشهد ذاته على أرصفة ميناء طنجة المتوسط: سيارات محمّلة حتى السقف، أطفال يرفعون الأعلام من النوافذ، وعيون تدمع عند أول عناق بعد غياب سنة أو سنوات. انطلقت هذا العام الدورة السادسة والعشرون من عملية "مرحبا 2026" في العاشر من يونيو بميناء طنجة المتوسط، بتعبئة نحو 1400 شخص من الأطر والمساعدات الاجتماعية والأطقم الطبية، وقد عبر إلى أرض الوطن خلال العشرين يوما الأولى وحدها أزيد من 704 آلاف من مغاربة العالم، بارتفاع يتجاوز ثلاثة في المائة عن السنة الماضية. هذه أرقام تفرح القلب. لكن خلف هذا المشهد المؤثر، تختبئ ظاهرة أخرى لا يجرؤ كثيرون على تسميتها باسمها: تحوّل جزء من موسم العودة إلى موسم للاستعراض، تُستنزف فيه مدخرات سنة كاملة من العمل الشاق في أوروبا لشراء وهم اسمه "الوجاهة"، ويُرهق فيه الفقير قبل الغني، ويُحاصر فيه شباب الوطن بمعايير مادية جعلت الزواج حلما مؤجلا. فأين تنتهي صلة الرحم المأمور بها شرعا، وأين يبدأ التبذير المنهي عنه قرآنا؟

أولا: التحويلات عبادة قبل أن تكون اقتصادا

لنبدأ بإنصاف الجالية، فالإنصاف من شيم أهل الدين. بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 122,02 مليار درهم عند نهاية سنة 2025، بنمو نسبته 2,6 في المائة مقارنة بسنة 2024 التي سجلت 118,97 مليار درهم، وفق بيانات مكتب الصرف. بل إن الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 وحدها سجلت 50,22 مليار درهم، بارتفاع قدره 8,8 في المائة على أساس سنوي. هذه ليست مجرد أرقام في نشرات مكتب الصرف؛ إنها في ميزان الشرع نفقاتٌ وصِلاتٌ وصدقات. فالرجل الذي يقتطع من أجرته في مصنع بليون أو ضاحية باريس ليرسل لأمه في الريف أو لأخته في سوس، إنما يمتثل لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله، ودينارٌ أنفقتَه في رقبة، ودينارٌ تصدقتَ به على مسكين، ودينارٌ أنفقتَه على أهلك، أعظمُها أجرا الذي أنفقتَه على أهلك». وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: «من أحبَّ أن يُبسَط له في رزقه، ويُنسَأ له في أثره، فليَصِلْ رحِمَه». فهذه التحويلات، في أصلها، عبادة مالية جماعية قلّ نظيرها في العالم، وصلة رحم ممتدة عبر البحر المتوسط، تُطعم أسرا وتعلّم أبناء وتداوي مرضى. ومن جحد هذا الفضل فقد ظلم قوما باعوا شبابهم في الغربة ليبقى الوطن واقفا.

ثانيا: حين ينقلب الفضل استعراضا

لكن الحق يُقال كاملا أو لا يُقال. ففي مقابل هذا الجيل الصامت الذي يرسل ولا يتباهى، نبتت في العقدين الأخيرين ثقافة صيفية أخرى: سيارات فارهة مستأجرة تُقدَّم على أنها مملوكة، وحفلات تُصوَّر للنشر قبل أن تُقام للفرح، ومصاريف شهر واحد في المغرب تلتهم مدخرات أحد عشر شهرا من الكدّ والحرمان في أوروبا. البعض يقترض هناك ليستعرض هنا، ثم يعود إلى بلد الإقامة مثقلا بالديون، وقد اشترى بأشهر من العرق نظراتِ إعجاب لا تسمن ولا تغني من جوع.

وهذا بنصّ القرآن تبذير لا كرم، قال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 26-27]. فتأمل كيف جمعت الآية بين الأمر بإيتاء ذي القربى حقه والنهي عن التبذير في نفَس واحد، وكأن الوحي يخاطب حال مهاجرنا الصيفي بعينه: صِلْ رحمك، لكن لا تحرق مالك في الاستعراض. وفي الصحيحين: «لا ينظر اللهُ يومَ القيامة إلى من جرَّ ثوبَه خُيَلاء»، والخيلاء اليوم لم تعد في جرّ الثياب وحده، بل في جرّ موكب السيارات أمام دوار فقير، وفي بذخ يُنشر على الشاشات ليراه من لا يجد ثمن الدواء.

وقد فسّر ابن خلدون في مقدمته هذه الآفة قبل قرون حين قرر أن المغلوب مولعٌ أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. فبعضُ أبناء الجالية، وقد عاش على هامش مجتمعات الاستهلاك الأوروبية، لم يحمل منها إلى وطنه علمَها ولا انضباطَها، بل حمل قشورَ استهلاكها، فصار يمارس على أهل بلده ما يُمارَس عليه هناك من إبهار المظاهر، في دورة استلابٍ يدفع ثمنها الجميع.

ثالثا: فاتورة التباهي يؤديها شباب الوطن

وليست هذه الظاهرة ترفا أخلاقيا نناقشه في المجالس، بل لها فاتورة اجتماعية موجعة، يؤديها أساسا شبابٌ لم يهاجر ولم يستعرض. فالمزايدة الصيفية على المهور وحفلات الزفاف رفعت سقف "الحد الأدنى الاجتماعي" للزواج في مدن وقرى بأكملها؛ إذ صارت العائلات تقيس أعراس أبنائها على أعراس "الزماكرية" ومواكبهم، فمن لم يجارِ اتُّهم بالبخل أو الفقر. والنتيجة أمامنا في الأرقام الرسمية: فقد كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن عقود الزواج الموثقة تراجعت من 307 آلاف عقد سنة 2008 إلى 251 ألفا سنة 2022، بينما قفزت عقود الطلاق في الفترة نفسها من 55 ألفا إلى 88 ألفا، بنسبة نمو تقارب 70 في المائة. والأخطر ما أظهره البحث الوطني الأخير حول الأسرة: 51,7 في المائة من العزاب المغاربة لا يرغبون أصلا في الزواج، مقابل 40,6 في المائة فقط يبدون الرغبة فيه، فيما استقر معدل الخصوبة عند 1,98 طفل لكل امرأة، أي دون عتبة تعويض الأجيال.

فأي دين هذا الذي نزعمه ونحن نجعل أيسرَ ما شرعه الله أعسرَ ما في حياتنا؟ لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود: «خيرُ النكاح أيسرُه»، وزوّج رجلا من أصحابه بما معه من القرآن. أما نحن، فقد جعلنا من العرس مزادا علنيا للوجاهة، ومن المهر تعجيزا، ومن ليلة واحدة دَينا يُسدَّد في سنوات. وصدق من قال: ما دخلت المباهاة في شيء إلا أفسدته، ولا دخل اليُسر في شيء إلا زانه.

رابعا: حين يدفع ساكن الشمال ثمن استعراض لم يشارك فيه

ولا تقف الفاتورة عند المهور والأعراس، بل تمتد إلى سقف بيت المواطن نفسه. فمع انطلاق يوليوز وتوافد أفراد الجالية عبر ميناء طنجة المتوسط، سجلت مدن الشمال ارتفاعا لافتا في أسعار كراء الشقق الصيفية، خاصة بالمضيق والفنيدق ومرتيل، حتى صارت مدينة تطوان ملاذا لمن يبحث عن إقامة أقل تكلفة. وتتراوح أسعار الليلة الواحدة بمرتيل وحدها بين 350 و1300 درهم حسب الموقع والتجهيز، فيما تصل أسعار الفيلات في مدن سياحية أخرى إلى ما بين 1500 و3000 درهم لليلة، في قطاع يشتغل خارج أي تأطير قانوني أو رقابة ضريبية. بل نبتت فئة كاملة من الوسطاء أطلقت عليهم الصحافة المحلية اسم "شناقة الصيف"، يرفعون السومة الكرائية إلى مستويات قياسية في غياب الرقابة، وقد أصبح هذا الكراء الموسمي يؤثر مباشرة على السوق العقارية ويرفع الأسعار حتى على الساكنة المحلية الدائمة.

وهنا يظهر الوجه الأقسى للمعادلة: فالمضارب العقاري لا يسعّر على قدرة الموظف المغربي ذي الأربعة آلاف درهم، بل على قدرة العائد من أوروبا الذي يدفع بلا مساومة، وأحيانا "باليورو". فيجد ابن مرتيل والمضيق نفسه غريبا في مدينته، عاجزا عن كراء شقة على بحرٍ وُلد أمامه، ومحاصرا بأسعار عقار صارت تُحسب بمقياس القوة الشرائية الأوروبية لا المغربية. وقد صرحت 76 في المائة من الأسر المغربية، وفق بحث المندوبية السامية للتخطيط خلال الفصل الثاني من 2025، بتدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرا السابقة، ومع ذلك يُطلب منها أن تنافس في سوقٍ سعّره الاستعراض. وهذا في ميزان الفقه من الضرر الذي تُقطع مادته، فالقاعدة الكلية المجمع عليها: "لا ضرر ولا ضرار"، وقد شدد الفقهاء على منع كل معاملة يتضرر بها عموم الناس في قوتهم وسكنهم، وما احتكار السلعة الذي لعن الشرع صاحبه إلا صورة قديمة لهذا "الشنق" العقاري الجديد. فليعلم من يزايد في السومة لأنه "قادر"، ومن يتوسط ويضارب، أنهما شريكان في إخراج أهل الأرض من أرضهم، وأن دراهم جُمعت من عرق الغربة لا يليق أن تتحول أداة قهرٍ لمن بقي في الوطن يحرسه.

الحكم: هذا استعراض مذموم، والساكت عنه شريك فيه

إن هذا المقال لا يجامل، والحكم هنا قاطع لا تردد فيه ولا مواربة: الاستعراض الاستهلاكي الصيفي منكرٌ مركّب، اجتمعت فيه أربع خصال لعن الشرع كل واحدة منها على انفراد، فكيف بها مجتمعة: تبذيرٌ جعل القرآن صاحبه قرينَ الشيطان وأخاه، وخيلاءُ حرمت صاحبها من نظر الله يوم القيامة، وإضرارٌ بعباد الله رفع كلفة الحلال حتى صار الزواج عسيرا والسكن حلما، ورياءٌ يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. ومن قال "مالي وأنا حر فيه" فقد كذب على نفسه مرتين: كذب أولا لأن المال مال الله وهو مستخلَف فيه محاسَب عليه، ولن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؛ وكذب ثانيا لأن حريته تنتهي حيث يبدأ ضرر الناس، فمن رفع بماله مهور مدينة، وأخرج بمزايدته أهل حي من حيّهم، فليس حرا في ماله بل جانٍ به.

ثم كلمة لا بد منها لمن يصفق للمستعرضين ويحسدهم: أنتم وقود هذه النار. فلولا عيون تنبهر بالموكب، وألسنة تلهج بذكر "فلان الذي جاء من الخارج"، وعائلات تقيس شرفها بحجم سيارة زوج ابنتها، لما وجد الاستعراض سوقا يُباع فيها. المستعرض بائع وهم، والمنبهر مشتريه، والمجتمع الذي يوقّر المظهر ويحتقر الجوهر يحصد ما زرع: شبابا عازفا عن الزواج، وبيوتا خاوية من السكينة، وسواحل صارت حكرا على من يدفع باليورو.

فيا مغاربة العالم، أهلا بكم ألف مرحبا، وطوبى لجيلكم الصامت الذي بنى بتحويلاته وطنا ولم يطلب حتى كلمة شكر؛ هؤلاء صدقتهم سرٌّ يرفعها الله، وصلتهم رحمٌ توصل بها الأعمار والأرزاق. أما من جعل عودته موكبا ومدخراته وقودا للتباهي، فليسمعها صريحة من هذا العمود: أنت لا تُكرم أهلك بل تستعبد نظرتهم، ولا تعلو بل تنكشف، وما جمعتَه في أحد عشر شهرا من ذلّ الغربة لن يشتري لك في شهر واحد عزا لم تبنه التقوى. ومن أراد عزا حقيقيا فليتدبر ميزان الله الذي لا يخطئ: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، لا أوسعكم موكبا، ولا أعلاكم صوتا في الأعراس، ولا أغلاكم كراء في مرتيل. فالمال الذي يصل الرحم في صمت يشهد لصاحبه، والمال الذي يُحرق في الاستعراض يشهد عليه؛ وبين شهادةٍ لك وشهادةٍ عليك، يختار العاقل قبل أن يُختار له يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك