الحج بين الشعيرة والصورة: حين تغيب الروح وتبقى الطقوس

الحج بين الشعيرة والصورة: حين تغيب الروح وتبقى الطقوس

بقلم رضا الحكيم الشعيري

كل عام، مع حلول موسم الحج، تتجدد المشاعر وتُرفع الأيدي بالدعاء، وتُشدّ الرحال نحو البيت الحرام من كل فج عميق. ملايين البشر يلبّون نداءً إلهياً عمره آلاف السنين، يتركون بيوتهم وأهليهم ويُقبلون على أعظم رحلة روحية في حياتهم. غير أن المتأمّل في مشاهد الحج اليوم لا يملك إلا أن يقف وقفة نقدية صادقة، يسأل فيها بضمير: هل نؤدي فريضة الحج حقاً؟ أم أننا نؤدي طقوسها فحسب؟

المشهد الذي لا يُقال

ثمة مشاهد باتت مألوفة حول الكعبة المشرفة وعند الحجر الأسود وعلى امتداد مسار السعي، لا يجرؤ كثيرون على الحديث عنها خشية ما يُظنّ أنه "انتقاد للدين". مشاهد الشجار والتدافع والصراخ حول أقدس بقعة على وجه الأرض. احتكاك مقصود أو غير مقصود بين الرجال والنساء في فضاء كان يُفترض أن يكون أطهر الفضاءات. فوضى الازدحام في مزدلفة التي تتحول بعد انتهاء المبيت إلى ما يشبه مكب النفايات، تاركةً وراءها أطناناً من الأوساخ والقمامة. وسباق محموم نحو لمس الحجر الأسود كأن النجاة متعلقة بلمسة واحدة، لا بتحوّل القلب.

هذه المشاهد ليست استثناءً طارئاً، بل باتت جزءاً من "طبيعة" الحج في أذهان كثيرين. وهذا بالذات هو الخطر الحقيقي.

حين يصبح الطقس غاية في نفسه

الفريضة في جوهرها لم تُشرَّع لتكون حدثاً جماهيرياً يُقاس نجاحه بعدد اللمسات وسرعة الأشواط. قال الله تعالى بصريح العبارة: "فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ"، وهذا النص القرآني لا يُقدّم الأخلاق والأدب باعتبارهما فضيلة مستحبة يمكن التنازل عنها وقت الزحام، بل يجعل منهما شرطاً جوهرياً لصحة الحج ذاته. فكيف يكون الحج مقبولاً والشجار يدور أمام الكعبة؟ وكيف تكون النية خالصة والفوضى هي السيدة؟

المشكلة أن كثيراً من الحجاج يحملون معهم إلى مكة عادات بيئاتهم وثقافاتهم دون أن يُعدّوا روحياً وأخلاقياً لهذه التجربة الفريدة. يُعدّون لوجستياً: يحجزون الفنادق، ويرتبون المواصلات، ويحملون أدوية الطريق، لكن التعدّ الأعمق — تعدّد الروح والأخلاق والوعي بمعنى ما يفعلون — يكاد يغيب عن برامج التوعية وعن نية كثير من الحجاج أنفسهم.

مفارقة القداسة والقذارة

لا مفارقة أشد إيلاماً من تلك التي تجمع بين قداسة المكان وقذارة المشهد. مزدلفة — تلك البقعة التي قضى فيها النبي ﷺ ليلة في ذكر وخشوع وتأمل — تتحول بعد كل موسم إلى شاهد صامت على غياب الوعي البيئي والأخلاقي معاً. وكأن الحاج ينتهي من "أداء" الشعيرة بمجرد نيّة القلب، وينفضّ من كل مسؤولية تجاه المكان والناس والمشهد الذي يتركه وراءه.

هذا يكشف عن أزمة أعمق: أزمة الفصل بين العبادة والأخلاق في الوعي الديني المعاصر. نحن أمة علّمها نبيّها أن "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، فكيف نُبرّر ما يُخلَّف خلف الحجاج من أذى مادي في أقدس البقاع؟

هل المؤسسة بريئة؟

لا يمكن إلقاء المسؤولية كلها على الحجاج الأفراد. ثمة مسؤولية مؤسسية واضحة. برامج التوعية قبل الحج في أغلب الدول لا تزال تُركّز على الأحكام الفقهية للشعائر — وهي ضرورية بالطبع — لكنها تُهمل التربية الروحية والأخلاقية والبيئية. الحاج يعرف كيف يرمي الجمرات، لكنه لا يعرف — أو لا يُذكَّر — بأن رمي الجمرات بلا أدب ووعي يُفرغ الشعيرة من معناها.

كذلك فإن الضغط التجاري الهائل الذي يحيط بالحج بات جزءاً من المشكلة؛ حين تتحول أقدس رحلة روحية إلى "باقة سياحية" بمواصفات الفندق والوجبات والقرب من الكعبة، يتسرّب إلى الوعي الجمعي إحساس بأن الحج خدمة تُشترى وتُستهلك، لا تجربة تتطلب تحولاً داخلياً حقيقياً.

الحج الذي أراده الله

الحج في جوهره كان ولا يزال دعوة للتساوي والتجرّد. الإحرام بثوبين أبيضين يمحو الفوارق بين الملك والفقير، بين العربي والأعجمي. الطواف حول الكعبة تذكير بأن كل شيء يدور حول الله وحده. الوقوف في عرفة هو الصورة الأوضح للحشر وسواسية البشر أمام خالقهم. هذه الرمزيات العميقة لا تنفصل عن الأدب والنظام والرحمة بالآخرين، بل هي مبناها وجوهرها.

الحجر الأسود لم يُشرع لمسُه ليكون غايةً، بل هو نقطة بداية رمزية للطواف. والنبي ﷺ نفسه قال لعمر رضي الله عنه: " يا عمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف " والأثر الشريف هذا وحده كافٍ للإجابة على كثير مما نراه اليوم.

خاتمة: الحج يبدأ قبل مكة

الإصلاح لا يبدأ في الأروقة التنظيمية وحدها، ولا في الأنظمة والتشريعات وحدها، وإن كانت ضرورية. يبدأ في الوعي الفردي لكل من يعزم على الحج: أن يسأل نفسه قبل أن يشدّ الرحال — ماذا أحمل في روحي إلى هذا المكان؟ وماذا سأترك خلفي غير أثر قدمَيّ؟

الله لم يكتب الحج لنلمس حجراً أو نقطع أشواطاً. كتبه لنرجع منه غير الذين ذهبنا. وحين لا يتغير الذاهبون، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحاً: هل ذهبنا إلى الحج، أم ذهب الحج منّا؟

رضا الحكيم الشعيري
بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك