الدخول المدرسي.. صدمةٌ ماليةٌ سنوية

الدخول المدرسي.. صدمةٌ ماليةٌ سنوية

الدخول المدرسي.. عندما تتحوّل العودة إلى المقاعد إلى صدمةٍ ماليةٍ سنوية

 

كلّما أطلّ شهر شتنبر، عاد السؤال نفسه ليقضّ مضجع ملايين الأسر المغربية. ليس السؤال هذه المرة «متى تنطلق الدراسة؟» — فقد حسمت وزارة التربية الوطنية الأمر بمقرّرها رقم 047.26، وحدّدت يوم الإثنين 7 شتنبر 2026 موعداً لعودة أزيد من ثمانية ملايين تلميذة وتلميذ، تحت شعارٍ برّاق: «من أجل مدرسة عمومية ذات جودة للجميع». السؤال الحقيقي الذي يشغل بال الآباء هو سؤالٌ من كلمة واحدة: «بكم؟».

 

فاتورةٌ تصل إلى 4000 درهم عن طفلٍ واحد

الأرقام المتداولة هذا الموسم كافية وحدها لإصابة الأسر بالدوار. ففي القطاع الخصوصي، تتراوح كلفة المحفظة المدرسية المتوسطة بين 1400 و1700 درهم في الابتدائي، وترتفع إلى ما بين 1700 و2500 درهم في الإعدادي، ثم تتجاوز 3000 درهم في الثانوي. أما الكتاب الواحد المستورد، المعتمد في بعض المؤسسات الخصوصية ومدارس البعثات الأجنبية، فقد يبلغ ثمنه وحده ما بين 250 و600 درهم، لترتفع الفاتورة الإجمالية أحياناً إلى 4000 درهم عن تلميذ واحد لا غير.

وليست هذه سوى تكلفة الكتب واللوازم؛ إذ تُضاف إليها واجبات التسجيل، والرسوم الشهرية، والزيّ الرسمي، والنقل، ودروس الدعم التي تحوّلت بدورها إلى «بيزنس» موازٍ ينتعش مع كل دخول مدرسي. وحين يكون في البيت طفلان أو ثلاثة في سنّ التمدرس، تتضاعف الصدمة وتلتهم جزءاً معتبراً من دخلٍ أسريّ متوسط أو محدود.

في المقابل، يبدو الوضع أكثر احتواءً في المدرسة العمومية، حيث تظل أسعار الكتب مستقرّة في حدود 400 إلى 500 درهم إجمالاً. لكن هذا «الاستقرار» لا ينبغي أن يُقرأ كإنجاز، بقدر ما يكشف اتّساع الهوّة بين تعليمٍ عموميّ يعاني، وتعليمٍ خصوصيّ صار في كثير من الحالات تجارةً أكثر منه رسالة.

 

حين لا يرقى العمومي إلى المستوى.. لا في الساعات ولا في الجودة

هنا يكمن جوهر المفارقة. فالأسر لا تهرب نحو الخصوصي رغبةً في إنفاق ما لا تملك، بل هروباً من واقعٍ يعرفه الجميع: تعليمٌ عموميّ منهكٌ بالاكتظاظ، وبالإضرابات المتكرّرة، وبالساعات الضائعة التي نادراً ما تُعوَّض، وبجودةٍ لم تعد تُطمئن. الأرقام الدولية لا تجامل: فقد ظلّ أداء التلاميذ المغاربة في برنامج التقييم الدولي «PISA» دون المتوسط العالمي بشكلٍ متكرّر في دوراته المتعاقبة، مع بقاء نسبةٍ كبيرة منهم دون الحدّ الأدنى من الكفايات الأساسية في القراءة والرياضيات والعلوم. وفي مؤشر التعليم العالمي لسنة 2025، حلّ المغرب في المرتبة الرابعة والستين عالمياً — موقعٌ لا يليق ببلدٍ جعل من إصلاح مدرسته أحد أوراشه الكبرى.

والأقسى من الرتبة نفسها هو الدرس المستفاد من تجارب دولٍ لم تكن أفضل حالاً منّا. فيتنام، بمواردها المحدودة، حقّقت قفزةً لافتة في نتائج «PISA» منذ 2012، ورواندا راهنت على القراءة المبكرة والإصلاح اللغوي، وتركيا حسّنت مؤشرات الاستمرار الدراسي تدريجياً. القاسم المشترك بين هذه النماذج بسيطٌ وعميق في آن: مدرسةٌ عمومية قوية. فحين تكون العمومية قوية، لا تعود جودة التعليم رهينةً بحجم جيب الأسرة، بل تشمل الجميع. أمّا حين تضعف، فإنها تدفع بمن يستطيع نحو الخصوصي، وتترك الباقين — وهم الأغلبية — في مواجهة مصيرهم.

 

الكتاب المدرسي.. مغربٌ يبيع وأوروبا تُعير مجاناً

يتّضح حجم الخلل أكثر حين نضع أسعار الكتب المغربية في ميزان المقارنة الدولية. ففي عددٍ من الدول، لا تُطرح مسألة «ثمن الكتاب» على الأسرة من الأساس، ببساطة لأن الدولة هي من تتكفّل به.

في فنلندا — التي تُصنَّف بين أفضل الأنظمة التعليمية في العالم — تُوفَّر الكتب والوسائل التعليمية والوجبات المدرسية والنقل مجاناً في التعليم الأساسي، بنصّ القانون. وفي فرنسا، تُعار الكتب المدرسية للتلاميذ في الإعدادي (الكوليج) مجاناً، ويُعيدونها في نهاية السنة لتُستعمل من جديد. والأمر نفسه في الدانمارك وعددٍ من دول الاتحاد الأوروبي، حيث الكتاب حقٌّ لا سلعة. المنطق هناك واضح: التعليم الإلزامي مجانيٌّ فعلاً لا شعاراً، والدولة تتحمّل كلفة أدواته لأنها استثمارٌ في المستقبل، لا عبءٌ يُلقى على كاهل الأسرة كل شتنبر.

أما عندنا، فبينما تحافظ الكتب الوطنية على أسعارٍ مستقرّة نسبياً، عرفت الكتب المستوردة زياداتٍ متتالية بلغت في بعض العناوين ما يفوق خمسين درهماً للنسخة الواحدة. والنتيجة أن العائلة المغربية تشتري كل عام ما تُعيره دولٌ أخرى مجاناً، ثم تعيد شراءه في السنة الموالية للطفل الذي يليه.

 

الوزارة تتحرّك.. لكن التحدّي أعمق من مذكّرة

من الإنصاف الإشارة إلى أن الوزارة لم تقف مكتوفة اليدين. ففي أواخر يونيو 2026 وجّهت مذكّرةً إلى الأكاديميات الجهوية تمنع فرض لوازم غير ضرورية، وتُلزم الأساتذة بالاقتصار على اللوائح الرسمية، وتشترط الإعلان المسبق عن الكتب واللوازم، وتضمن توفّرها منذ اليوم الأول، مع مجانية دفاتر الدعم في مؤسسات الريادة. كما يجري توسيع «مؤسسات الريادة» لتشمل الإعدادي، وتعميم الإنجليزية، وهي أوراشٌ تستحق أن تُتابَع بعينٍ منصفة لا بعينٍ متشائمة.

لكن يبقى السؤال قائماً: هل تكفي المذكّرات والإجراءات الظرفية لعلاج داءٍ بنيويّ؟ فالمعركة الحقيقية ليست ضدّ «اللوائح المتضخمة» فحسب، بل ضدّ منظومةٍ تجعل من التعليم الجيّد امتيازاً يُشترى، لا حقّاً يُضمَن.

 

خصاصٌ في الكتب ومواجهةٌ مفتوحة مع الكتبيين

وكأنّ ثقل الفاتورة لا يكفي، يدخل هذا الموسم على وقع أزمةٍ أخرى تهدّد بأن يبدأ التلاميذ عامهم الدراسي بلا كتب أصلاً. فقبل أيام من الدخول المدرسي، تفجّرت مواجهةٌ مفتوحة بين وزارة التربية الوطنية ورابطة الكتبيين بالمغرب، عنوانها الأبرز: خصاصٌ في عددٍ من العناوين، وخلافٌ حادّ حول هامش الربح.

فبعد اجتماع مكتبها التنفيذي مساء الجمعة 14 غشت 2026، أصدرت الرابطة بلاغاً يوم الإثنين 17 غشت، أكّدت فيه أن وتيرة الطبع والاستيراد امتدّت لنحو خمسة أشهر انطلاقاً من مارس، ومع ذلك ظلّ النقص قائماً في عددٍ من الكتب، وخاصةً كتب مدارس الريادة التي يصعب على كثيرٍ من المكتبات الحصول عليها. وتساءلت الرابطة عن جدوى الحديث عن «تتبّع عملية التوزيع» في ظلّ استمرار الخصاص، معتبرةً أن تصريحات مسؤولٍ بالوزارة تضمّنت معطياتٍ بعيدة عن الواقع الميداني، وأنها أشبه بمحاولةٍ للتهرّب من المسؤولية.

الأخطر أن الرابطة أعلنت تعليق الحوار مع الوزارة في هذه المرحلة، متذرّعةً بعدم الاستجابة لمطالب المهنيين، ومؤكّدةً أنه لم يُعقد إلى حدود صدور البلاغ أيّ لقاءٍ رسميّ مع ممثّليها. كما جدّدت تمسّكها بمقاطعة كتب مدارس الريادة الصادرة عن مطبعة المعارف وشركة «سوبيريس» ومكتبة المدارس، احتجاجاً على ما اعتبرته عدم التزامٍ بهامش الربح المخصّص للكتبيين.

هكذا يتّضح أن وعود الوزارة بـ«توفّر الكتب منذ اليوم الأول» تصطدم بواقعٍ أكثر تعقيداً: سوقٌ متوتّرة، وسلسلة توزيعٍ مختلّة، ونزاعٌ مهنيّ لم يُحسم بعد. والضحية، كالعادة، هي الأسرة والتلميذ اللذان قد يجدان أنفسهما، مع انطلاق الموسم، أمام رفوفٍ فارغةٍ من الكتب التي دفعا — أو سيدفعان — ثمنها غالياً.

 

خلاصة

ما دامت المدرسة العمومية عاجزةً عن الإقناع، ساعاتٍ وجودة، ستظل الأسر مُكرَهةً على الهجرة نحو الخصوصي ودفع فاتورةٍ تُثقل ميزانياتها. والحلّ لا يكمن في تسقيف أسعار الكتب وحده، بل في إعادة الاعتبار للعمومية حتى تصبح خياراً لا اضطراراً. فحين نُصلح المدرسة العمومية بصدق، لن نحتاج إلى الحديث كل شتنبر عن «صدمةٍ مالية»، لأن التعليم — كما في الدول التي سبقتنا — سيعود إلى موضعه الطبيعي: حقٌّ للجميع، لا رفاهيةٌ لمن يقدر على الأداء.

 

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك