الساعة الإضافية بالمغرب: من استفاد فعلاً من ثماني سنوات من "الوقت المسروق"؟

الساعة الإضافية بالمغرب: من استفاد فعلاً من ثماني سنوات من "الوقت المسروق"؟

بعد ثماني سنوات من العيش على توقيت لم يطلبه أحد بوضوح، أعلنت الحكومة المغربية، يوم الخميس الماضي، نهاية التجربة. رئيس الحكومة عزيز أخنوش أعلن أن المملكة ستعود إلى توقيت غرينتش (GMT) نهائياً وتطوي صفحة "الساعة الإضافية" (GMT+1) ابتداءً من فجر يوم الأحد 20 شتنبر 2026، حين ستتأخر الساعة بستين دقيقة. القرار، بحسب الوزير مصطفى بايتاس، مسنود بمرسوم يجعله "نهائياً" وغير قابل للنقاش.

لكن السؤال الذي لم تجب عنه التصريحات الرسمية بوضوح هو: لماذا اعتُمدت هذه الساعة أصلاً، ومن استفاد منها طوال ثماني سنوات، وهل كانت كل تلك الليالي التي خرج فيها أطفال المغرب إلى مدارسهم في الظلام تستحق العائد الذي حصلنا عليه؟

من 1967 إلى 2018: تاريخ متقطع لا ينقصه الجدل

المغرب لم يكن غريباً عن تغيير التوقيت. منذ المرسوم الملكي رقم 455.67 الصادر في 2 يونيو 1967 بشأن الساعة القانونية، اعتاد المغاربة على تحريك عقارب الساعة. وقبل 2018 كان التوقيت يتغير أربع مرات في السنة بين الساعة القانونية والساعة الصيفية، مع تعليق الساعة الصيفية خلال رمضان لتسهيل الصيام، وهو نظام أثار جدلاً واسعاً بسبب تكرار التغيير.

في 26 أكتوبر 2018، صدر المرسوم رقم 2.18.855 الذي حسم الأمر بطريقة مختلفة: إضافة ساعة كاملة إلى التوقيت القانوني (GMT+1) واعتمادها بشكل دائم على مدار السنة، باستثناء فترة رمضان التي يُعاد فيها العمل بتوقيت غرينتش لتيسير مواعيد العبادة والإفطار. كان المنطق المعلن وقتها هو نفسه الذي تتكرر حجته في كل نقاش حول تغيير التوقيت حول العالم: توفير الطاقة، وزيادة التداخل الزمني مع الشركاء التجاريين الأوروبيين.

المفارقة أن هذا القرار، رغم أنه ظل سارياً ثماني سنوات كاملة وأثّر في حياة أكثر من 36 مليون مغربي يومياً، لم يُبنَ -بحسب عدة دراسات ومراكز بحثية لاحقة- على دراسة حكومية معلنة وشفافة يمكن للباحثين والمواطنين الرجوع إليها. وهذا بالضبط ما طالب به المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة عندما دعا إلى "نشر الدراسة الحكومية لسنة 2018 أو خلاصة تنفيذية لما استند إليه قرار تثبيت GMT+1، لتمكين نقاش عمومي شفاف ومبني على المعطيات".

حجة توفير الطاقة: الفرضية التي لم تثبتها الأرقام

الحجة الكلاسيكية لتبني أي توقيت صيفي في العالم هي تقليص استهلاك الكهرباء عبر الاستفادة من ضوء النهار لوقت أطول مساءً. لكن هذه الفرضية، التي وُلدت في أوروبا الصناعية أوائل القرن العشرين، لم تعد تنطبق بالقوة نفسها على عصر الإضاءة منخفضة الاستهلاك (LED) وأنظمة التكييف والتدفئة التي تستهلك الطاقة بمنطق مختلف تماماً عن منطق سنة 1916.

عدة دراسات دولية حديثة خلصت إلى أن تثبيت التوقيت الصيفي لم يحقق وفورات ملموسة في الاستهلاك الكهربائي، بل إن بعض الدراسات أشارت إلى أن المكاسب الضئيلة في إنارة المساء تُستهلك جزئياً بزيادة الطلب على التكييف أو التدفئة في ساعات الصباح الباكر. أما توصية الأكاديمية الأمريكية لطب النوم (American Academy of Sleep Medicine)، فكانت واضحة: التوقيت القياسي الدائم هو الأكثر انسجاماً مع الساعة البيولوجية للإنسان، وليس التوقيت الصيفي الدائم.

وفي المغرب تحديداً، نبّه باحثون إلى عامل جغرافي يكاد يكون مُهملاً في كل النقاش الرسمي: القرب من خط الاستواء. فكلما اقتربت الدولة من خط الاستواء، قلّ التفاوت الموسمي في ساعات النهار، وبالتالي تقل الفائدة الفعلية من "سحب" ساعة من المستقبل إلى الحاضر، عكس الدول الشمالية التي يطول فيها النهار صيفاً وتستفيد أكثر من هذا التحويل. شروق الشمس بعد الثامنة والنصف صباحاً في بعض المناطق المغربية شتاءً ليس مجرد تفصيل مزاجي، بل اختلال فعلي في الساعة البيولوجية الجماعية لبلد بأكمله.

فمن استفاد إذن؟ حجة "الساعة الواحدة" مع أوروبا

إذا كانت حجة الطاقة هشة، فما الذي بقي من المنطق الاقتصادي للساعة الإضافية؟ الإجابة الأكثر صلابة تكمن في قطاع واحد بالتحديد: ترحيل الخدمات (Offshoring/BPO) والصناعات المُصدِّرة الموجهة للسوق الأوروبية.

اعتماد GMT+1 بشكل دائم وفّر للمغرب ساعة تداخل عمل إضافية يومياً مع منطقة الاتحاد الأوروبي، وهو أمر حيوي لمراكز النداء (call centers) والشركات التي تدير عملياتها من الدار البيضاء أو الرباط أو طنجة لحساب عملاء في باريس أو مدريد أو بروكسل. لقطاع يشغّل عشرات آلاف الشباب المغربي ويُعتبر من أعمدة الاستثمار الأجنبي المباشر، ساعة واحدة من التزامن الإضافي مع ساعات العمل الأوروبية ليست تفصيلاً هامشياً.

لكن هذا المكسب القطاعي المحدود جاء على حساب خسارة لا تقل أهمية: فقدان ساعة ثمينة من التداخل مع لندن ونيويورك، وهو ما قد يعيق استراتيجية تنويع الأسواق وجذب الاستثمارات الأنجلوساكسونية التي يسعى المغرب لتعزيزها في إطار خطط التصدير والاستثمار. بعبارة أخرى: ربحنا ساعة مع بروكسل وخسرنا ساعة مع لندن ونيويورك -وهي مقايضة لم يناقشها أحد علناً قبل اعتمادها.

خبير اقتصادي مغربي ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، معتبراً أن اعتماد الساعة الإضافية "قرار سيادي" يتجاوز المقاربة التقنية الضيقة، مرتبط بالبنى التحتية التي يريد المغرب تسويقها وبقربه الاستراتيجي من شركائه الأوروبيين. وهذا تحليل معقول جزئياً، لكنه لا يُجيب عن السؤال الأهم: هل كان من الضروري أن يدفع التلميذ المغربي وأمه وأبوه ثمن هذا "القرار السيادي" يومياً، عبر الخروج إلى المدرسة في عتمة الشتاء، أم كان يمكن تحقيق نفس الهدف الاقتصادي بترتيبات أكثر استهدافاً (كساعات عمل مرنة لقطاع الترحيل وحده، مثلاً)؟

الفاتورة الاجتماعية: حين يدفع الأطفال ثمن ساعة بروكسل

هنا يكمن الجانب الذي تجاهلته كل الحسابات الاقتصادية الرسمية لسنوات: الكلفة البيولوجية والاجتماعية للساعة الإضافية، التي تحمّل أعباءها الأشد وطأة الحلقة الأضعف في المجتمع: الأطفال وتلاميذ المدارس.

استطلاعات أشارت إلى أن نحو 70% من المغاربة المستجوبين يفقدون ساعة إلى ساعتين من النوم بسبب تغيير الساعة، خاصة خلال الأسبوع الأول الذي يتلو كل تغيير، في حين أن نسبة من يستفيدون فعلياً من الساعة الإضافية في أنشطتهم الترفيهية المسائية لا تتجاوز 25%. أي أن الأغلبية الساحقة من المغاربة دفعت ثمن اضطراب بيولوجي حقيقي مقابل فائدة ترفيهية لا تشمل سوى ربع السكان تقريباً.

أما بالنسبة للتلاميذ، فالمشكلة كانت بنيوية وليست عابرة: مع شروق الشمس بعد الثامنة والنصف صباحاً في عدد من مناطق المغرب خلال أشهر الشتاء، كان آلاف الأطفال يغادرون منازلهم إلى المدارس قبل بزوغ الفجر، في ظلام كامل وبرد قارس، وهو ما حذّرت منه منظمات المجتمع المدني التي أطلقت في مارس 2026 عريضة إلكترونية تجاوزت 20 ألف توقيع. الدراسات الدولية في هذا المجال ربطت أيضاً بين اضطراب الساعة البيولوجية وزيادة الأخطاء المهنية، فضلاً عن تأثيرات على التركيز المدرسي والإنتاجية الصباحية بشكل عام.

وفي غياب دراسة تقييمية حكومية شاملة منشورة طوال سبع سنوات من تطبيق القرار، ظل المجتمع المغربي يخوض هذا النقاش بالحدس والشهادات الفردية أكثر من البيانات الرسمية الدقيقة -وهو خلل في الحكامة لا يقل أهمية عن الخلل في التوقيت نفسه.

ما الذي يحتاجه المغرب الآن: توصيات عملية

  1. نشر دراسة تقييمية شاملة وشفافة: على الحكومة أن تنشر، أخيراً، حصيلة كاملة لثماني سنوات من تطبيق GMT+1 الدائم -أثرها على الاستهلاك الكهربائي الفعلي، وعلى حوادث السير، وعلى الصحة والتعليم- بدل الاعتماد على تصريحات سياسية مجردة من الأرقام.
  2. حماية قطاع الترحيل دون تعميم الكلفة على الجميع: إذا كان المكسب الاقتصادي الحقيقي محصوراً في قطاع مراكز النداء والخدمات المُصدَّرة، فالحل الأذكى هو منح هذا القطاع مرونة في ساعات العمل عبر اتفاقيات قطاعية، بدل تعميم تحويل الساعة على 36 مليون مواطن لخدمة احتياجات شريحة محدودة من المقاولات.
  3. مراجعة توقيت الدخول المدرسي شتاءً بشكل دائم: اعتماد توقيت دخول مدرسي مرن يبدأ في التاسعة صباحاً بين نونبر وفبراير يبقى إجراءً احترازياً مفيداً بغض النظر عن نظام التوقيت العام.
  4. تثبيت تقويم رسمي واضح ومُعلن سنوياً مسبقاً: لتجنب الارتباك المتكرر الذي عرفه المغاربة هذه السنة، يحتاج المغرب إلى تقويم توقيت ثابت يُنشر في بداية كل سنة.
  5. دراسة الأثر على التداخل التجاري قبل أي قرار مقبل: أي تعديل مستقبلي للتوقيت يجب أن يقيس بدقة المقايضة بين التداخل مع أوروبا والتداخل مع الأسواق الأنجلوساكسونية والإفريقية، بدل اتخاذ قرار يخدم شريكاً تجارياً واحداً على حساب تنويع المغرب لشركائه.

خلاصة

ثماني سنوات من "الساعة الإضافية" تُلخّص معضلة أعمق في صناعة القرار الاقتصادي بالمغرب: قرارات تُتخذ باسم "المصلحة الاقتصادية العامة"، لكن مكاسبها الحقيقية تتركز في قطاع ضيق، بينما تتوزع كلفتها الصحية والاجتماعية على الجميع -وعلى الأطفال بشكل خاص. الرجوع إلى الساعة القانونية ليس مجرد تصحيح تقني لساعة اليد، بل هو اعتراف ضمني بأن المعادلة لم تكن متوازنة من الأساس. والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً بعد 20 شتنبر 2026 هو: كيف نضمن ألا يتكرر نمط القرار الاقتصادي الذي يُبنى على فرضيات غير مُثبتة بالأرقام، وتُدفع كلفته من قبل من لا صوت له في صياغته؟

رؤية اقتصادية | رضا الحكيم الشعيري

 

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك