السنة الهجرية: تقويم بلا أمة

السنة الهجرية: تقويم بلا أمة

في كل عام، وعند حلول الأول من محرم، تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تهانٍ مصفوفة ومنسوخة، وصور مزركشة بالخط العربي، وأدعية معلَّبة تُرسَل بالجملة كما تُرسَل بطاقات التهنئة في الأعياد التجارية. ثم لا شيء. لا تأمل في معنى الهجرة، ولا استحضار لدلالة التأريخ، ولا وقفة أمام السؤال الحقيقي: لماذا اختار المسلمون الأوائل أن يبدأوا حساب زمنهم من لحظة الهجرة لا من لحظة الوحي، ولا من لحظة الفتح، ولا من مولد النبي ﷺ؟ وما الذي يقوله غيابنا عن هذا التقويم عن حالنا اليوم؟

حين أسّس عمر للزمن

لم يكن التقويم الهجري وحياً منزلاً، بل كان اجتهاداً بشرياً نابعاً من الحاجة. ففي السنة السابعة عشرة للهجرة، وصل إلى الخليفة عمر بن الخطاب كتاب لم يحمل تاريخاً، فقال: "كيف نعلم قديمه من حديثه؟" فشاور الصحابة، واتفقوا على جعل الهجرة النبوية مرجعاً للتأريخ، واختاروا المحرم بداية للسنة لأنه — كما يقول الطبري — "منصرف الناس من حجهم، ومطلع العزائم الجديدة". كان هذا قراراً سياسياً وحضارياً في آن: أمةٌ تُعلن أن زمنها يبدأ من لحظة التحول، لا من لحظة الميلاد البيولوجي، ولا من اللحظة التي استقبلت فيها الوحي، بل من اللحظة التي قررت فيها أن تبني وتهاجر وتشيد.

وهذه الدلالة عميقة: الهجرة ليست فراراً، بل مشروع. إنها اللحظة التي تحوّل فيها الإيمان الفردي إلى كيان جماعي، وتحوّلت فيها فكرة إلى حضارة. أن تُؤرِّخ من الهجرة يعني أن تقول: زمننا لا يبدأ من وجودنا، بل من إرادتنا.

أمة واحدة وتقاويم متعددة

غير أن هذا التقويم الذي أُريد له أن يوحّد الزمن الإسلامي بات اليوم مصدراً فعلياً للتشتت. ففي كل رمضان ومحرم وذي الحجة، تشهد الدول الإسلامية مشهداً أصبح مألوفاً حد الإحراج: المملكة العربية السعودية تبدأ في يوم، والمغرب يبدأ في آخر، وإيران في ثالث، وإندونيسيا في رابع. بل إن الدول المتجاورة جغرافياً قد تختلف في إعلان أول الشهر، فيصوم المسلم يوم الجمعة في بلده ويكتشف أن جاره يصوم يوم السبت. ويجد المسلم المقيم في أوروبا نفسه أمام أسئلة مضحكة ومحرجة في آن: أيّ بلد أتبع؟ وأيّ هلال أنظر إليه؟

جذر هذا الاختلاف فقهي وعملي معاً. فالفقه الإسلامي التقليدي يربط إثبات الشهر برؤية الهلال بالعين المجردة، وهو ما يجعل النتيجة رهينة بالموقع الجغرافي وظروف الطقس والمزاج المؤسسي للجهة المختصة. وفي المقابل، يرى فريق من الفقهاء والعلماء أن الحسابات الفلكية الدقيقة — التي باتت تُحدد لحظة ولادة الهلال بدقة تصل إلى الثانية — لا تتعارض مع الشريعة، بل يمكن توظيفها لتحقيق الوحدة الإسلامية التي هي مقصد شرعي أسمى. وقد عقدت مؤتمرات دولية متعددة لتوحيد التقويم الهجري، لم تنتج في أغلبها إلا توصيات تُحفظ في أدراج الأمانات العامة. وخلص بعض الفقهاء إلى أنه "لا مسوغ لاختلاف المناطق المتقاربة في بدايات الأشهر"، بينما يظل الواقع شاهداً على خلاف ذلك.

الاحتفال بالميلادي ونسيان الهجري

لكن الأزمة الأعمق ليست في الاختلاف التقني حول رؤية الهلال، بل في الغياب الوجداني عن التقويم الهجري بالكلية. فملايين المسلمين اليوم لا يعرفون في أي شهر هجري يعيشون إلا حين يحتاجون لملء خانة في وثيقة رسمية. وفي ليلة رأس السنة الميلادية، تضج المدن العربية والإسلامية بالاحتفالات والألعاب النارية والتجمعات، وتُغلق الفنادق قاعاتها بعد أن حجزها الناس قبل أشهر، بينما يمر الأول من محرم هادئاً كأنه يوم عادي، لا يميزه عند كثيرين إلا إجازة رسمية مناسبة للنوم المديد.

هذا التفاوت ليس مجرد تفضيل تقويمي بريء، بل هو عرَضٌ من أعراض تحول ثقافي عميق. فالإنسان يحتفل بما يعني له شيئاً، ويُسقط ما لا يحمل وزناً وجدانياً. وقد نجح النسق الحضاري الغربي عبر منظومة متكاملة من الإعلام والترفيه والتسويق في أن يجعل تقويمه مرجعية كونية تتجاوز حدوده الثقافية، بينما ظل التقويم الهجري حبيس الوظيفة الدينية الضيقة: تحديد رمضان والحج والأعياد. لا تاريخ يُدرَّس به، ولا تعاملات تجارية تجري على أساسه، ولا ذاكرة جماعية تستند إليه.

والمفارقة المؤلمة أن التقويم الميلادي نفسه ذو أصل ديني — مرتبط بميلاد المسيح عليه السلام — غير أن الغرب تمكّن من تجريده من خصوصيته الدينية وتحويله إلى معيار للزمن الكوني، في حين أخفق المسلمون في أن يجعلوا تقويمهم حاضراً في يومياتهم الاعتيادية حتى بين أنفسهم.

إشكاليات بنيوية لا يمكن تجاهلها

ومع الإنصاف، ثمة إشكاليات موضوعية في التقويم القمري ينبغي الاعتراف بها بدل التهرب منها. فالسنة الهجرية أقصر من الميلادية بأحد عشر يوماً، مما يجعل الشهور والمواسم تتحرك عبر فصول السنة بلا استقرار: يصادف رمضان في سنة شدة الحر وفي سنة برد القسوة، وتتقدم المناسبات الدينية عاماً بعد عام بحيث يصعب على المزارع والتاجر والمربي التخطيط وفق منطق ثابت. وهذا بالتحديد هو ما دفع كثيراً من الدول الإسلامية إلى اعتماد التقويم الميلادي في شؤون الإدارة والاقتصاد والتعليم، فيما تقتصر وظيفة الهجري على الشعائر الدينية.

وقد وعى المسلمون الأوائل هذه الإشكالية، وتباينوا فيها: فبينما أقر جمهور الفقهاء التقويم القمري وفق مقتضيات الشريعة، رأى آخرون أن لا مانع من توظيف تقويم مدني مستقل للشؤون العامة مع الإبقاء على الهجري للعبادات. وهذا التمييز بين زمن الشريعة وزمن المجتمع سؤال عميق لم يُحسم، وظل معلقاً في الهواء بين فتاوى متضاربة ومصالح سياسية متباينة.

الهجرة درس لا مجرد تاريخ

ما يُفاقم المشكلة أن التأريخ الهجري كان يحمل في صميمه رسالة تربوية لم يُستحضر معناها: الهجرة النبوية لم تكن واقعة جغرافية فحسب، بل كانت نموذجاً للتحول الوجودي. وقد أدرك عمر ذلك حين اختارها مرجعاً للزمن على حساب أحداث أخرى أشد بروزاً. فكأنه يقول للأمة: ابدأوا عدَّكم من لحظة العزم والبناء، لا من لحظة المعجزة الخوارقية. احسبوا زمنكم بما صنعتم، لا بما أُعطيتم.

أين هذا المعنى في احتفالاتنا اليوم؟ أين مراجعة العام المنصرم؟ أين حساب النفس الجماعي الذي يليق بأمة تدّعي أن تاريخها يبدأ من لحظة تأسيسية كبرى؟ ما نراه في الغالب لا يعدو رسائل ترحيب بالعام الجديد تُختم بصورة هلال، ثم عودة إلى ما كنا عليه.

خاتمة: تقويم يبحث عن أمة

التقويم الهجري في أزمة مزدوجة: أزمة هوية لأن أصحابه الأصليين هجروه وجدانياً وإن احتفظوا به رسمياً، وأزمة وحدة لأن من بقوا متمسكين به لا يتفقون على موعد بدايته. وكلتا الأزمتين تعكسان في النهاية حالة الأمة التي يُفترض أن ينظم هذا التقويم زمنها: مجزأة في سياستها، مختلفة في فقهها، منفصلة عن ذاكرتها الحضارية.

حين أسس عمر لهذا التقويم، كانت ثمة أمة تعيش معه زمناً واحداً. واليوم، لا تحتاج هذه الأمة إلى إصلاح التقويم بقدر ما تحتاج إلى إصلاح نفسها: أن تسترد الزمن الذي تنسبه إلى هجرة لم تعد تعرف معناها، وأن تفهم أن التقويم ليس أرقاماً تُعدّ، بل هو الطريقة التي تروي بها أمة قصتها لنفسها وللتاريخ.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك