طنجة تتوسع، أحياؤها تكبر، وساكنتها تتزايد.. لكن هل تسير الخدمات الصحية بالسرعة نفسها؟ ومن يتحمل المسؤولية حين يتحول البحث عن العلاج إلى رحلة من الانتظار والقلق؟
في طنجة، المدينة التي تتصدر واجهة التحولات الاقتصادية والعمرانية بشمال المغرب، يبدو الحديث عن التنمية ناقصاً كلما غابت الصحة عن صلب الأولويات. فمهما ارتفعت البنايات، واتسعت الطرق، وتعددت المشاريع، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً لدى المواطن بسيطاً ومباشراً: ماذا يحدث عندما يمرض أحدنا ويحتاج إلى العلاج؟
هنا بالضبط يبدأ الاختبار الحقيقي للمنظومة الصحية؛ ليس في الخطابات الرسمية، ولا في الأرقام المعلنة، بل في واقع المواطن الذي يبحث عن موعد طبي، أو ينتظر فحصاً متخصصاً، أو يقصد المستعجلات وهو يأمل أن يجد الرعاية اللازمة دون تأخير أو معاناة إضافية.
من بني مكادة إلى مسنانة، مروراً بمغوغة والعوامة ومناطق التوسع العمراني المحيطة بالمدينة، تفرض التحولات الديموغرافية والعمرانية سؤالاً جوهرياً: هل جرى التخطيط للعرض الصحي بما يتناسب مع الحاجيات المتزايدة للسكان؟ أم أن توسع المدينة يسير بوتيرة أسرع من قدرة بعض الخدمات العمومية على مواكبته؟
إنه سؤال مشروع، لا يستهدف التشكيك في جهود العاملين بالقطاع، بل يطالب بتقييم السياسات الصحية على أساس النتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.
ويظل المستشفى الجهوي محمد الخامس بطنجة من أبرز المؤسسات التي تتجه إليها انتظارات المواطنين، بالنظر إلى مكانته في تقديم الخدمات الصحية. ولذلك، فإن النقاش حول واقع العلاج بالمدينة لا يمكن أن يتجاهل ضرورة تقييم ظروف الاستقبال، ومدى توفر الموارد البشرية والتجهيزات، وتنظيم المواعيد، وجودة التكفل بالمرضى.
فالمواطن الذي يقصد مؤسسة صحية عمومية لا يطلب امتيازاً، ولا ينتظر خدمة استثنائية؛ إنه يمارس حقاً أساسياً. ومن حقه أن يعرف كيف تُدبّر الخدمات، وما الإجراءات المتخذة لمعالجة الاختلالات، وما الضمانات المتاحة لحماية سلامته وكرامته.
المشكلة لا تكمن فقط في وجود مستشفى، بل في قدرة هذا المستشفى على الاستجابة لحاجيات المرضى عندما يحتاجون إليه.
وإذا كانت بعض المؤسسات تواجه ضغطاً متزايداً، فإن ذلك يطرح مسؤولية التخطيط الاستباقي وتوفير الإمكانات الضرورية، بدل ترك المواطن يواجه وحده تبعات أي نقص أو تأخر. فالاكتظاظ، متى ثبت وجوده وحجمه، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم، بل إلى مؤشر يستدعي التشخيص والتدخل والمحاسبة الإدارية عند الاقتضاء.
لسنوات، ظل إصلاح المنظومة الصحية عنواناً حاضراً في النقاش العمومي، لكن الامتحان الحقيقي لأي إصلاح هو أثره المباشر على حياة الناس. وفي طنجة، حيث تتوسع الأحياء وتتزايد حاجيات الأسر، لا يكفي الحديث عن تحديث القطاع الصحي دون توضيح مدى توفر المراكز الصحية، وحجم الموارد البشرية، والطاقة الاستيعابية للمؤسسات الاستشفائية، وقدرة الخدمات التخصصية على الاستجابة للطلب.
فما جدوى تطوير البنية التحتية إذا لم يصاحبه توفير كافٍ للأطر الطبية والتمريضية؟ وما قيمة أي مشروع صحي إذا لم تتحول إمكاناته إلى خدمات فعلية يستفيد منها المواطن؟ وكيف يمكن الحديث عن العدالة في العلاج إذا ظلت القدرة المادية لبعض الأسر عاملاً مؤثراً في قدرتها على البحث عن بدائل عند تعذر الحصول على الخدمة المطلوبة في القطاع العمومي؟
هذه ليست أسئلة للتشويش، بل مطالب مشروعة بالشفافية وربط المسؤولية بالنتائج.
وأخطر ما يمكن أن تواجهه المنظومة الصحية هو أن يفقد المواطن ثقته في قدرتها على توفير العلاج الذي يحتاج إليه. فعندما يطول الانتظار، أو تتعقد مساطر الولوج، أو يضطر المريض إلى البحث عن حلول بديلة، فإن العبء لا يكون صحياً فقط، بل يصبح نفسياً واجتماعياً ومالياً أيضاً.
وتتحمل الأسر محدودة الدخل عبئاً أكبر عندما تضطر إلى تحمل مصاريف إضافية لتأمين الفحوصات أو الاستشارات أو العلاجات التي تحتاج إليها. وهنا تتحول جودة الخدمات العمومية إلى قضية إنصاف اجتماعي، لأن الحق في العلاج ينبغي ألا يتحدد بمدى قدرة المواطن على الدفع.
ومع ذلك، فإن تحميل الأطر الطبية والتمريضية وحدها مسؤولية كل ما قد يواجهه القطاع من صعوبات يُعد اختزالاً غير منصف للمشكلة. فهؤلاء المهنيون يحتاجون بدورهم إلى ظروف عمل ملائمة، وتجهيزات كافية، وتنظيم فعال، وموارد بشرية تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
المطلوب، إذن، هو تحديد مكامن الخلل بدقة، والتمييز بين الإكراهات الموضوعية وأوجه القصور التدبيري، وتحديد المسؤوليات بناءً على معطيات واضحة، لا على الانطباعات أو الاتهامات غير الموثقة.
إن من حق ساكنة طنجة أن تعرف أين وصلت المشاريع الصحية المبرمجة، وما المؤسسات التي تحتاج إلى تعزيز مواردها، وما التدابير المتخذة لتقليص فترات الانتظار وتحسين خدمات المستعجلات والرعاية التخصصية.
ومن حقها أيضاً أن تطالب بنشر مؤشرات واضحة حول جودة الخدمات، والاستجابة للشكايات، وتوفر الأطر والتجهيزات، مع توضيح ما تحقق فعلياً وما لا يزال ينتظر التنفيذ.
كما أن المسؤولية لا تقع على إدارة واحدة فقط، بل تتوزع، بحسب الاختصاصات، بين الجهات الصحية والإدارات المعنية بالتخطيط والتمويل والتدبير، مع ضرورة التنسيق بينها لضمان استجابة حقيقية لحاجيات السكان.
فلا يمكن مطالبة المواطن بالصبر إلى ما لا نهاية، ولا يمكن إقناعه بنجاح الإصلاح دون أن يلمس أثره في موعده الطبي، وفي ظروف استقباله، وفي جودة الرعاية التي يحصل عليها.
الصحة ليست ملفاً إدارياً هامشياً، بل قضية تمس حياة الناس مباشرة، وأي تأخر في معالجة اختلالاتها ينعكس أولاً على المريض وأسرته.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية هو مدى فعالية آليات المراقبة والتقييم والمساءلة داخل المنظومة الصحية. فحين يشتكي المواطن من خدمة لم يحصل عليها، أو من تأخر يرى أنه ألحق به ضرراً، ينبغي أن يجد مساراً واضحاً لتقديم تظلمه، وجهة مسؤولة تتولى دراسته، وإمكانية لمعرفة ما انتهى إليه.
إن بناء الثقة لا يتحقق بالصمت عن المشكلات، بل بالاعتراف بما تثبته المعطيات، وشرح أسباب الاختلالات، واتخاذ إجراءات تصحيحية قابلة للتتبع والتقييم.
وفي هذا السياق، يصبح دور الإعلام والمجتمع المدني أساسياً في نقل انشغالات المواطنين، وطرح الأسئلة على الجهات المعنية، ومتابعة الوعود والمشاريع، مع احترام حق جميع الأطراف في التوضيح والرد. فالنقد المسؤول ليس هجوماً على المؤسسات، بل وسيلة لدفعها إلى أداء أفضل، والهدف ليس التشهير، وإنما حماية حق المواطن في خدمة صحية آمنة تحفظ كرامته.
طنجة مدينة تتطلع إلى المستقبل، لكن مستقبلها لا يُقاس فقط بحجم استثماراتها أو اتساع مجالها العمراني، بل أيضاً بقدرتها على ضمان أبسط حقوق سكانها، وفي مقدمتها الحق في العلاج.
إن الرهان اليوم ليس في تكرار الحديث عن إصلاح الصحة، بل في الانتقال من الوعود إلى النتائج، ومن التصريحات العامة إلى المؤشرات القابلة للتحقق، ومن تدبير الأزمات بعد وقوعها إلى التخطيط الذي يستبق حاجيات السكان.
فمن يحمي حق المواطن الطنجاوي في علاج آمن؟ ومن يضمن ألا يتحول المرض إلى معاناة مضاعفة بسبب صعوبات الولوج إلى الرعاية؟ ومن يقدم للساكنة أجوبة واضحة بشأن واقع الخدمات الصحية وآفاق تحسينها؟
أسئلة تظل مفتوحة أمام الجهات المسؤولة، وتستحق أجوبة عملية ومعلنة. لأن المواطن لا يطلب المستحيل؛ إنه يطلب حقه في العلاج، وحقه في الكرامة، وحقه في معرفة من يتحمل المسؤولية عندما لا تسير الأمور كما ينبغي.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون السؤال هو كم مستشفى تتوفر عليه طنجة فحسب، بل كم مواطناً يستطيع أن يجد فيها العلاج المناسب، في الوقت المناسب، وبالجودة التي يستحقها.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!