العقار في طنجة: حين يصبح حلم (الدار) بعيد المنال؟

العقار في طنجة: حين يصبح حلم (الدار) بعيد المنال؟

بقلم: رضا الحكيم الشعيري

في كل صباح، يخرج آلاف الطنجاويين إلى أعمالهم وهم يحملون نفس الهاجس: كيف ندبر راتب الشهر؟ وكيف نوفر قسط الكراء الذي يلتهم نصف الأجرة؟ وقبل كل شيء، متى سنمتلك سقفاً يحمينا، نسميه "ديالنا"؟

هذا السؤال البسيط في ظاهره، أصبح اليوم في طنجة معادلة شبه مستحيلة. فالمدينة التي ترعرع فيها آباؤنا وأجدادنا، والتي كان فيها شراء شقة حلماً في متناول الموظف والعامل، تحولت في ظرف سنوات قليلة إلى ساحة كبرى للمضاربة العقارية، حيث ترتفع الأسعار بسرعة قطار البراق، فيما تبقى الأجور تمشي على رجليها.

الأرقام لا تكذب: السكن أصبح ترفاً

دعونا نتحدث بلغة الأرقام التي يفهمها كل قارئ. الفرد الواحد في طنجة يحتاج إلى ما يقارب 4566 درهماً شهرياً لتغطية نفقات المعيشة الأساسية دون احتساب السكن، فيما تصل كلفة أسرة من أربعة أفراد إلى حوالي 16724 درهماً. تأملوا الرقم جيداً: أسرة عادية، فيها أب وأم وطفلان، تحتاج إلى أكثر من 16 ألف درهم شهرياً لتعيش بكرامة. فكم من موظف في طنجة يتقاضى هذا المبلغ؟

أما على صعيد العقار، فالمعطيات أكثر إيلاماً. ارتفعت أسعار العقارات في طنجة بنسبة تتراوح بين 12 و18% سنوياً منذ سنة 2023. تخيلوا معي: شقة كانت تباع بـ 600 ألف درهم قبل ثلاث سنوات، أصبحت اليوم تتجاوز 850 ألف درهم. والشاب الذي كان يدخر طوال عمره ليشتري سكنه، يكتشف كل سنة أن ما ادخره لم يعد يكفي.

"النْوار": الضربة القاضية

لكن المصيبة الكبرى لا تكمن فقط في الأسعار المعلنة. هناك مشكلة أخرى يعرفها كل من حاول شراء شقة في طنجة، ويتحدث عنها الجميع في الأسواق والمقاهي دون أن يجرؤ أحد على مواجهتها بشكل صريح: ظاهرة "النْوار".

تحقيقات صحفية حديثة رصدت انتشار ظاهرة "النْوار"، أي العمولات غير المصرح بها التي يطالب بها أصحاب العقارات، والتي تبلغ نسبتها في بعض الأحيان مائة في المائة. أي أن المواطن الذي يتفق على شقة بـ 600 ألف درهم، يُطلب منه أن يدفع 300 ألف أو أكثر "تحت الطاولة"، نقداً وبدون فاتورة. وهذا يعني أن من يريد قرضاً بنكياً يجد نفسه عاجزاً، لأن البنك لا يمول إلا المبلغ المصرح به في العقد.

والنتيجة؟ آلاف الأسر تتخلى عن حلم التملك، وتستسلم لواقع الكراء المرهق.

معاناة الكراء: نصف الأجرة في "الكراء"

إذا كان شراء سكن قد أصبح شبه مستحيل، فإن الكراء بدوره تحول إلى عبء ثقيل يطحن جيوب الأسر الطنجاوية. في أحياء كانت تُعتبر متوسطة كالمجمع الحسني وبئر الشيفا وفال فلوري، أصبحت أسعار كراء شقة عادية بثلاث غرف تتراوح بين 4000 و7000 درهم شهرياً، فيما تتجاوز في الأحياء الراقية كمالاباطا وجبل الكبيرعتبة 10000 درهم.

والنتيجة أن الموظف الذي يتقاضى 6000 أو 7000 درهم شهرياً، يجد نفسه أمام معادلة قاسية: إما أن يدفع نصف راتبه أو أكثر للكراء، وإما أن يبتعد عن المدينة نحو الضواحي البعيدة، حيث يدفع وقتاً وجهداً ومالاً في التنقل اليومي. وفي كلتا الحالتين، تتآكل القدرة الشرائية للأسرة وتُختزل حياتها في دورة قاسية: عمل لدفع الكراء، وكراء يلتهم الأجرة.

الكراء اليومي السياحي: السكن يتحول إلى فندق

ثم جاءت ضربة جديدة وغير منتظرة: انفجار ظاهرة الكراء اليومي السياحي عبر منصات مثل "Airbnb" و"Booking" وغيرها. ظاهرة بدأت محتشمة، ثم تحولت في ظرف سنوات قليلة إلى تسونامي يكتسح سوق الكراء التقليدي في طنجة وفي مدن الشمال عموماً.

التقديرات المهنية تكشف حقيقة صادمة: تحول جزء كبير من الشقق إلى وجهات مؤقتة لزوار موسميين، مدفوعين بإغراء الأرباح السريعة التي يتيحها الكراء اليومي عبر منصات مثل "إير بي إن بي"، حيث بات الملاك والمستثمرون يفضلون العروض القصيرة الأمد التي تدر عائدات تفوق بكثير ما يمكن تحصيله من عقود كراء طويلة المدى. والنتيجة المباشرة: تقلص العرض السكني وارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المئة منذ بداية السنة.

والأدهى من ذلك أن بعض الملاك أصبحوا يفرضون شروطاً مجحفة على المكترين القارين. يشكو المكترون من شروط مجحفة، أبرزها إخلاء الشقة مع نهاية يونيو لإتاحتها للكراء اليومي في شهري يوليوز وغشت. أي أن الأسرة الطنجاوية التي تكتري شقة طوال السنة، يُطلب منها أن تخرج منها في فصل الصيف لتفسح المجال للسياح الذين يدفعون في الليلة الواحدة ما قد يساوي أسبوعاً من الكراء العادي.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: مدينة طنجة، التي يفترض أن تستفيد من السياحة، يجد فيها أبناؤها أنفسهم مطرودين من بيوتهم لصالح ضيوف عابرين. والشقق التي كانت تأوي عائلات مستقرة، تحولت إلى فنادق مصغرة تعمل بدون ترخيص، وغالباً بدون أن تؤدي حقها الضريبي للدولة. مالكي أغلب هذه الشقق لا يدفعون أي ضريبة ويتخلصون بالعملة الصعبة في حساباتهم البنكية في الخارج، فلا يستفيد منهم الاقتصاد المغربي شيئاً، إضافة إلى مساهمتهم في رفع ثمن الشقق.

والأكثر إثارة للاستياء هو الإزعاج الذي يعانيه السكان المجاورون من ضوضاء الزوار المتعاقبين، ومن غياب أي قانون يُنظم هذه الظاهرة ويحمي الجوار. حتى الراحة في بيتك أصبحت رفاهية في طنجة 2026.

من المستفيد؟

السؤال المشروع الذي يطرحه المواطن البسيط: إذا كان الطنجاوي العادي عاجزاً عن شراء سكن في مدينته، وعاجزاً حتى عن كرائه براحة، فلصالح من ترتفع هذه الأسعار؟

الجواب واضح للأسف. ارتفاع الأسعار استقطب المغاربة المقيمين في الخارج والمستثمرين الأوروبيين والصناديق المؤسسية الباحثة عن عوائد مرتفعة. أي أن العقار في طنجة لم يعد سلعة استهلاكية للساكنة المحلية، بل تحول إلى منتج مالي يُتاجر فيه. العائدات الإيجارية في طنجة تتراوح بين 7 و9% حسب الحي، وهي الأعلى وطنياً، متقدمة على الدار البيضاء (4-5%) ومراكش (5-7%). هذه الأرقام تُبهج المستثمر، لكنها تُحزن الأم التي تبحث عن سكن لأبنائها.

ويزيد من حدة المشكلة المشاريع الكبرى المرتبطة بكأس العالم 2030، وتوسع ميناء طنجة المتوسط، والمناطق الصناعية المتعاقبة. كل هذا جعل من طنجة "ذهباً عقارياً"، لكن هذا الذهب لا يصل إلى يد المواطن العادي.

ما العمل؟ نحو حلول واقعية وعادلة

لا يكفي أن نشخص الداء، بل يجب أن نقترح الدواء. وهنا نطرح جملة من الحلول التي نراها ضرورية لإعادة التوازن إلى سوق العقار والكراء في طنجة:

أولاً: تفعيل الرقابة الجبائية ومحاربة "النْوار" بحزم يكفي خطابات حول الشفافية. المطلوب إجراءات صارمة: ربط ثمن البيع بمؤشرات مرجعية تحددها المحافظة العقارية، وفرض غرامات ثقيلة على المنعشين العقاريين والوسطاء الذين يثبت تورطهم في هذه الممارسات، مع تشجيع المواطنين على الإبلاغ مع ضمان حمايتهم.

ثانياً: تنظيم الكراء السياحي قانونياً لا بد من إطار تشريعي عاجل يُنظم الكراء اليومي عبر المنصات الرقمية، بحيث تُفرض على المالكين رخصة خاصة، ودفتر تحملات يُحدد عددهم في كل حي لتجنب تحول الأحياء السكنية إلى فنادق، وضرائب واضحة تستفيد منها خزينة الدولة والجماعة الترابية. هذا ما فعلته مدن أوروبية كبرى كبرشلونة وأمستردام وباريس، فلماذا نتأخر نحن؟

ثالثاً: حماية المكترين القارين تعديل القانون المنظم لعلاقات الكراء بما يحمي الأسر من الزيادات المفاجئة في السومة الكرائية، ومن الإخلاء التعسفي لصالح الكراء اليومي، مع وضع سقف للزيادات السنوية مرتبط بمؤشر التضخم الرسمي.

رابعاً: توسيع برنامج الدعم المباشر للسكن البرنامج الحالي يمنح مساعدة مالية تصل إلى 100,000 درهم للسكن الذي يقل ثمنه عن 350,000 درهم، و70,000 درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 350,000 و 700,000 درهم. لكن هذا السقف غير واقعي في مدينة كطنجة، حيث يصعب اليوم العثور على شقة لائقة بأقل من 700 ألف درهم. يجب رفع السقف ليناسب الواقع المحلي للمدن الكبرى.

خامساً: إحياء السكن الاجتماعي اللائق ليس السكن الاجتماعي الذي يُبنى في الضواحي البعيدة بدون مرافق ولا مدارس ولا نقل، بل سكن اجتماعي مدمج في النسيج الحضري، قريب من أماكن العمل والمدارس والمستشفيات. هذا ما تفعله مدن أوروبية كثيرة، فلماذا لا نفعله نحن؟

سادساً: فرض ضريبة على العقارات الشاغرة كثير من الشقق في طنجة فارغة، يحتفظ بها أصحابها فقط لأغراض المضاربة، انتظاراً لارتفاع الأسعار. ضريبة على هذه الشقق ستدفع أصحابها إما إلى بيعها أو إلى كرائها، مما يخفف الضغط على السوق.

سابعاً: تشجيع التعاونيات السكنية نموذج التعاونيات السكنية، الذي نجح في دول أخرى، يمكن أن يكون حلاً عملياً لشريحة من الموظفين والمهنيين، إذا توفر الدعم القانوني والمالي الكافي.

ثامناً: تخطيط عمراني عادل على الجماعة الترابية لطنجة والوكالة الحضرية أن تتحملا مسؤولياتهما في فرض تنوع في العرض العقاري في كل منطقة من المدينة، بحيث لا تتحول أحياء بأكملها إلى مناطق للأثرياء فقط، وتُطرد منها الطبقة الوسطى نحو الأحياء الهامشية.

في الأخير: المدينة لأهلها أولاً

طنجة ليست مجرد بقعة جغرافية أو فرصة استثمارية. طنجة هي ذاكرة وهوية وأهل. والمدينة التي يعجز أبناؤها عن السكن فيها، أو حتى عن البقاء في الشقق التي يكترونها، هي مدينة فقدت روحها، مهما ارتفعت أبراجها ولمعت واجهاتها.

نحن لا نعارض الاستثمار، ولا ندعو إلى إغلاق المدينة في وجه الرساميل أو السياح. لكننا ندعو إلى عدالة عقارية تضع المواطن في صلب المعادلة، لا في هامشها. فبدون هذه العدالة، ستتحول طنجة المستقبل إلى مدينة فاخرة بلا أهل، إلى ميناء عالمي محاط بأحزمة من الإقصاء والمرارة، وإلى فندق مفتوح يدخل إليه الزوار من الباب الكبير، ويُطرد منه الأبناء من الباب الخلفي.

كأس العالم 2030 على الأبواب، والعالم سيأتي ليكتشف "عروس الشمال". فلنحرص ألا تكون هذه العروس قد فقدت أبناءها الأصليين قبل أن يصل الضيوف.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك