الفحص التقني بالمغرب

الفحص التقني بالمغرب

الفحص التقني بالمغرب: حين يتحوّل إجراءُ السلامة إلى عبءٍ يومي على المواطن

 

في الخامسة صباحاً، وقبل أن ينبلج الفجر، يبدأ مشهدٌ صار مألوفاً أمام مراكز الفحص التقني في عدد من المدن المغربية: صفوفٌ من السيارات تصطفّ بعضها خلف بعض، وسائقون يقاومون النعاس داخل مركباتهم، وبعضهم قضى ليلته كاملة أمام البوابات المغلقة تحسّباً لطابورٍ لا يرحم. مواطنٌ خرج من بيته قبل شروق الشمس، لن يعود إليه — إن حالفه الحظّ — إلا مع حلول المساء. اثنتا عشرة ساعة أو يزيد، تُنفَق كلها في الانتظار، من أجل إجراءٍ لا يستغرق تنفيذه سوى دقائق معدودة.

 

معاناةٌ يومية لا استثناء عابر

 

لم يعُد الاكتظاظ أمام هذه المراكز حادثاً طارئاً يُحكى، بل تحوّل إلى واقعٍ يتكرّر كل صباح في تطوان وطنجة ومراكش ومكناس وغيرها من المدن. يضطرّ صاحب السيارة إلى التغيّب عن عمله، أو قطع مسافاتٍ طويلة نحو مركزٍ آخر أقلّ ازدحاماً، ليجد نفسه في النهاية أمام انتظارٍ مفتوح بلا تفسير، تحكمه المصادفة أكثر مما ينظّمه أي نظامٍ للمواعيد.

والأنكى أنّ هذه المعاناة لا تقف عند حدود الوقت الضائع. فإلى جانب الطوابير، ترتفع شكاوى متكرّرة من سلوكيات غير مهنية داخل بعض المراكز: تعاملٌ فظّ، وغيابٌ للتوجيه، بل وإيحاءاتٌ مبطّنة بأنّ "التدويرة" أو "الحلاوة" كفيلةٌ بتسهيل المرور أو التغاضي عن ملاحظةٍ تقنية بسيطة. وهي ممارسات — إن ثبتت — تضرب في العمق مبدأ المساواة أمام القانون، وتنسف الثقة المفترضة بين المرفق العمومي والمواطن.

 

اختلالٌ بنيوي: أسطولٌ يتضخّم ومراكز تراوح مكانها

 

جوهر الأزمة ليس في سلوك هذا الموظف أو ذاك، بل في اختلالٍ بنيوي واضح بين العرض والطلب. فالحظيرة الوطنية للسيارات تشهد نموّاً متسارعاً سنة بعد أخرى، مدفوعةً بطفرةٍ في اقتناء المركبات الحديثة وبموقع المغرب كأوّل مُصنّعٍ للسيارات في القارة الإفريقية. ومع ذلك، ظلّ عدد مراكز الفحص التقني شبه ثابت، عاجزاً عن مواكبة هذا التضخّم.

النتيجة حسابية بسيطة: آلاف المركبات الإضافية كل عام، تُوزَّع على العدد نفسه من المراكز وبالطاقة الاستيعابية نفسها. بل إنّ اعتماد سقفٍ يومي لعدد الفحوصات في بعض المدن — ومنها طنجة — زاد الطين بلّة، إذ يجد آلاف الملّاك مركباتهم في وضعٍ غير قانوني لا لتقصيرٍ منهم، بل لأنّ المركز أغلق بابه بعد بلوغ الحصّة. وهكذا يُلقى عبء الاختلال بأكمله على عاتق المرتفِق وحده.

 

المسؤولية أولاً وأخيراً مسؤولية الوزارة

 

لا يجوز أن يُحمَّل المواطن وزر سوء التخطيط. فتوسيع شبكة المراكز، وتحديد طاقتها الاستيعابية بما يتناسب مع حجم الحظيرة، ومراجعة نظام المواعيد، والرقابة على جودة الخدمة ونزاهتها — كلّها من صميم مسؤولية الوزارة الوصية والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية. وقد سبق الإعلان عن نيّةٍ لفتح مراكز جديدة عبر طلب عروضٍ يهمّ العشرات منها، غير أنّ الفجوة بين ما يُعلَن وما يُنجَز على أرض الواقع ما زالت واسعة، والمواطن هو من يؤدّي فاتورة هذا التأخّر من وقته وجهده وأعصابه.

إنّ الفحص التقني إجراءٌ نبيلٌ في غايته: حماية الأرواح، وضمان سلامة الطرق، واحترام المعايير البيئية. لكنّ هذه الغاية تفقد معناها حين يتحوّل الإجراء نفسه إلى عبءٍ نفسي ومادي، ويُرغَم المواطن على النهوض في الخامسة صباحاً أو المبيت أمام مركزٍ ليقضي يومه كاملاً في طابور.

المطلوب واضحٌ وعاجل: زيادة عدد المراكز وتوزيعها بشكلٍ عادل بين المدن والجهات، وإرساء نظام مواعيد رقمي شفّاف يُنهي منطق "من سبق"، وتشديد الرقابة على المهنيين. فحين تُوضَع الحلول موضع التنفيذ، سيستعيد هذا المرفق وظيفته الأصلية بوصفه ضماناً للسلامة، لا محطّةً للإرهاق والابتزاز.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك