بقلم: رضا الحكيم الشعيري
لم تعد القراءة المتأنية، في السياق المعاصر، مجرد ممارسة فردية ذات طابع جمالي أو ثقافي، بل تحولت إلى موقف معرفي ومضمون نقدي في مواجهة بنية حضارية تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعنى والزمن والوعي. وحين نتأمل هذه الإشكالية، ندرك أنها ليست وليدة اللحظة الراهنة فحسب، بل تستدعي حواراً عميقاً بين موروث معرفي إسلامي راكم تقاليد عريقة في التدبر والتأمل، وبين تجارب فكرية غربية معاصرة تُحاول هي الأخرى استعادة ما فقدته الحداثة من شروط الفهم العميق.
من ثقافة النص إلى ثقافة الشاشة: تحول إبستمولوجي عابر للثقافات
ما يجري اليوم ليس تغيراً في الوسائط فحسب، بل انتقال من نظام معرفي إلى آخر، وهو تحول يطال الحضارات جميعها وإن بدرجات متفاوتة. كانت ثقافة النص المكتوب، في تجلياتها الإسلامية والغربية على السواء، تفترض قارئاً صبوراً يبني المعنى تراكمياً. في المجال الإسلامي، تطورت تقاليد دقيقة في قراءة النص القرآني والحديثي والفقهي، تقوم على التدبر والترتيل والتأمل، وعلى ما سمّاه الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" بـ"حضور القلب" أثناء القراءة، وهو ما يتجاوز الفهم اللغوي إلى استبطان المعاني. وفي المجال الغربي، أنتجت التقاليد الرهبانية ممارسة "القراءة الإلهية" (Lectio Divina)، التي تقوم على المضي البطيء في النص، والمكوث عند كل عبارة، والإصغاء إلى أصدائها الداخلية.
في المقابل، فرضت ثقافة الشاشة منطقاً مغايراً تماماً: تجزئة المحتوى، وتفكيك التسلسل، وتقديم المعنى في ومضات سريعة. وقد رصد مفكرون من أمثال نيكولاس كار، في كتابه "السطحيون"، كيف يُعيد الدماغ البشري تشكيل ذاته استجابةً لهذا النمط، فيفقد تدريجياً قدرته على التركيز الطويل. واللافت أن ما يصفه كار يُعيد إلى الأذهان تحذيرات قديمة في التراث الإسلامي من "تشتت القلب" و"تفرق الهمّ"، وكأن المشكلة في جوهرها أنطولوجية تتعلق بطبيعة الإنسان قبل أن تكون مشكلة تقنية مرتبطة بالعصر.
اقتصاد الانتباه: حين يُختصر الإنسان إلى مورد
لا يمكن فهم تراجع القراءة المتأنية دون استحضار ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"، وهو المفهوم الذي طوّره الاقتصادي هربرت سايمون منذ سبعينيات القرن الماضي، حين أشار إلى أن وفرة المعلومات تخلق ندرة في الانتباه. اليوم، أصبح انتباه الإنسان هو السلعة التي تتنافس عليها أكبر الشركات في العالم.
ما يُثير الانتباه أن هذا التشخيص الحديث يلتقي، من زاوية مختلفة، مع جوهر التحذير القرآني من "اللهو" و"الغفلة"، تلك الحالة التي يُسلب فيها الإنسان وعيه دون أن يدرك. ففي قوله تعالى "أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ"، إشارة مبكرة إلى آلية وجودية تستلب الإنسان عبر إغراقه فيما يُشتته. كما أن مفهوم "حضور القلب" الذي طوّره الصوفية والمتكلمون المسلمون يتقاطع مع ما يدعو إليه فلاسفة معاصرون كأمثال ماثيو كروفورد، الذي اعتبر في كتابه "العالم وراء رأسك" أن الانتباه قد أصبح "مورداً نادراً" تستهدفه قوى السوق، وأن استعادته شرطٌ لاستعادة الذات نفسها.
السرعة بوصفها أيديولوجيا: مقاربتان متكاملتان
السرعة ليست محايدة، بل تحمل تصوراً للعالم يُعلي من قيمة الإنجاز الكمي على حساب العمق النوعي. وقد عمل الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ-تشول هان على تفكيك هذه الأيديولوجيا في أعماله، مبيّناً كيف أن "مجتمع الأداء" يستنزف الإنسان من الداخل، ويحوّله إلى كائنٍ مُنهَك لا يجد فسحةً للتفكير العميق. وفي السياق ذاته، طوّر المفكر الفرنسي بول فيريليو مفهوم "الديكتاتورية السرعة" (Dromocratie)، معتبراً أن السرعة أصبحت شكلاً جديداً من السلطة يُفرغ السياسة والمعرفة من مضمونهما.
هذا النقد الغربي للسرعة يجد له صدى عميقاً في الموروث الإسلامي، الذي طالما حذّر من "العَجَلة" واعتبرها من الشيطان، وأعلى من شأن "التأني" بوصفه فضيلة من فضائل العقلاء. وقد صاغ ابن خلدون في "المقدمة" تصوراً للزمن الحضاري يقوم على دورات بطيئة من النضج والتراكم، وكأنه يُؤسس لفلسفة في الزمن المعرفي تُعارض منطق الفورية. كذلك، تُمثّل تقاليد المجالس العلمية، وحلقات الذكر، ومدارس الإجازة بالسماع، نماذج تاريخية لما يمكن تسميته "ثقافة المهلة"، حيث كان الانتقال من نص إلى آخر يستغرق سنوات، ولم يكن العلم يُؤخذ "تلقفاً" بل "تخليقاً" بطيئاً يُربّى عليه القارئ.
أزمة التأويل وانهيار الحس النقدي
ثمة بعد آخر لا يقل خطورة، يتعلق بانعكاسات هذا التحول على الفضاء العمومي. حين يُختزل النص في عنوانه، يفقد القارئ تدريجياً مَلَكة التأويل، تلك القدرة الدقيقة على استخراج المعنى من سياقه. وقد ترتب على ذلك ما يمكن تسميته "أزمة في الحس النقدي"؛ إذ تنتشر المواقف الجاهزة، ويسود الاستقطاب، ويتحول النقاش العمومي إلى مبارزة شعارات.
في الفضاء العربي والإسلامي، تتخذ هذه الأزمة أبعاداً خاصة؛ فقد طوّرت الحضارة الإسلامية علماً عظيماً اسمه "أصول الفقه"، يُعدّ من أرقى ما أنتجه الفكر الإنساني في علم التأويل، يقوم على التمييز بين المُحكم والمتشابه، والعام والخاص، والمطلق والمقيد. غير أن انحسار القراءة المتأنية أنتج جيلاً من "القرّاء السريعين" للنصوص الدينية، يستخرجون منها فتاوى وأحكاماً دون المرور بأدوات التأويل المتراكمة عبر القرون. وهذه الظاهرة تتقاطع مع ما يُسمّيه المفكر الألماني هانز-جورج غادامير "الفهم المتسرّع" الذي ينتج عنه تشويه الأفق التأويلي. وقد بيّن غادامير في "الحقيقة والمنهج" أن الفهم الحقيقي يتطلب "اندماج الآفاق" بين القارئ والنص، وهو ما لا يحدث إلا في زمنٍ متأنٍّ يسمح بنضج الحوار بينهما.
نحو إعادة بناء العلاقة بالزمن المعرفي: رهان مشترك
إن استعادة القراءة المتأنية ليست مهمة فردية فحسب، بل مشروع ثقافي يتطلب إعادة التفكير في المنظومة التعليمية والإعلامية والثقافية برمتها. وفي هذا الرهان، يبدو أن العالم الإسلامي يملك ذخيرة تراثية ضخمة يمكن استثمارها، شريطة تجديدها وإخراجها من القوالب الجاهزة. فمفاهيم مثل "التدبر" و"التفكر" و"البصيرة" و"الفقه" (بمعناه الواسع كفهم عميق)، تُشكّل أدوات معرفية يُمكن أن تُسهم في تأسيس بيداغوجيا للقراءة المتأنية تتحاور مع المبادرات الغربية المعاصرة، من قبيل حركة "القراءة البطيئة" (Slow Reading) التي أطلقها أكاديميون مثل جون ميدما، أو الفلسفة العامة لـ"الحياة البطيئة" (Slow Movement) التي بدأت في إيطاليا.
اللقاء بين هذين الأفقين، الإسلامي والغربي، ليس انتقائياً ولا تلفيقياً، بل هو ضرورة معرفية تفرضها طبيعة التحدي ذاته؛ فالخوارزميات لا تُفرّق بين قارئ مسلم وقارئ غربي، وأزمة الانتباه عابرة للهويات والثقافات. والمواجهة، بالتالي، تتطلب جبهة معرفية واسعة تتقاطع فيها التقاليد الروحية الإسلامية مع النقد الحضاري الغربي، لإنتاج وعي بديل يُعيد للإنسان حقه في التأمل البطيء.
في المحصلة، القراءة المتأنية ليست حنيناً إلى نمطٍ قديم، بل رهانٌ على مستقبل لا يكون فيه الإنسان مجرد عقدة في شبكة الاستهلاك الرقمي، بل ذاتاً واعية قادرة على إنتاج معناها الخاص. وحين قال الإمام الشافعي إن "العلم ما نفع، لا ما حُفظ"، كان يُشير إلى ما يُؤكده اليوم ميلان كونديرا في روايته "البطء" حين اعتبر أن البطء ليس تخلفاً عن الركب، بل شكلاً من أشكال الكرامة. وبين المقولتين، تمتد مسافة قرون، لكنها تلتقي في حدسٍ واحد: أن المعرفة الحقيقية لا تُولد إلا في رحم المهلة، وأن استعادة هذه المهلة هي، في زمننا هذا، فعل المقاومة الأخير.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!