المضخّة تُغني… والعامل يجوع

المضخّة تُغني… والعامل يجوع

أربعَ عشرةَ ساعةً عند المضخّة: حين يصير القانونُ ضيفاً ثقيلاً على مائدة الأرباح

 

قبل أن يستيقظ المغربُ، يكون "البُّومبِّيست" واقفاً بالفعل تحت مظلّة المحطة. يملأ الخزّانات، يمسح الزجاج، يعدّ الصَّرف، يبتسم للزبون في الرابعة صباحاً كما يبتسم له عند منتصف الليل. أربعَ عشرةَ ساعةً وأكثر، واقفاً على قدميه، ممنوعٌ عليه الجلوس، ممنوعٌ عليه الهاتف، وحتى الأكل ودخول المرحاض يتمّان "خطفاً" بين سيارة وأخرى. وفي آخر الشهر يحمل إلى بيته ألفَي درهم، أو نحوها، بعد أن تُقتطع منها حتى تكاليف تحويل أجره إليه. هذه ليست مبالغةً بلاغية؛ إنها الصورة التي فضحها منذ أسابيع إعلانُ توظيفٍ في ضواحي مراكش عرض ألفَي درهم مقابل اثنتَي عشرة ساعةً يومياً، فأشعل غضباً واسعاً لأنه ببساطة نطق بصوتٍ عالٍ ما يُمارَس صامتاً في مئات المحطات.

 

القانون يقول شيئاً، والمضخّة تقول نقيضه

لنضع الأرقام وجهاً لوجه. مدوّنة الشغل المغربية تحدّد مدة العمل العادية في القطاعات غير الفلاحية في أربعٍ وأربعين ساعةً في الأسبوع، أي ما يقارب ثماني ساعاتٍ يومياً. ومنذ فاتح يناير 2026 صار الحدّ الأدنى القانوني للأجر في هذه القطاعات محدّداً في 17.92 درهماً عن كل ساعة. احسبوا معي: عاملٌ يشتغل أربعَ عشرةَ ساعةً في اليوم يقضي، في الشهر، ضِعفَ ما يفرضه القانون من ساعات. فلو طُبّق عليه الأجرُ القانوني والساعاتُ الإضافية كما تنصّ عليها المدوّنة، لتضاعف راتبُه مرّتين على الأقل. لكنّ الفارق بين ما يقوله القانون وما تقوله المضخّة لا يُقاس بالدراهم فحسب، بل يُقاس بالكرامة: عملٌ بلا عقدٍ واضح في كثيرٍ من الحالات، تشغيلٌ عبر وكالاتٍ وسيطة تتقاضى نصيبها من ظهر العامل، وتغطيةٌ اجتماعية غالباً ما تكون ناقصةً أو غائبة. هكذا يجد الشابُّ الباحث عن لقمة عيشه أمام خيارٍ واحد لا ثاني له: أن يقبل بشروطٍ تُعيدنا إلى معامل القرن التاسع عشر، أو أن يعود إلى صفّ العاطلين.

 

أرباحٌ طائلة… في الطرف المقابل من المضخّة نفسها

الآن، لِنَعبُر إلى الضفة الأخرى من الحكاية. في تقريره التاسع الصادر هذا العام، كشف مجلس المنافسة أن تسع شركاتٍ كبرى في سوق المحروقات حقّقت خلال سنة 2025 أرباحاً صافيةً تجاوزت 2.16 مليار درهم، برقم معاملاتٍ إجمالي ناهز 70 مليار درهم. ومع ذلك واصلت هذه الشركات توزيع أرباحٍ قياسية على المساهمين. أمّا التقديرات النقابية فترفع الأرقام إلى ما هو أعلى بكثير، وتُذكّر بأنّ تقرير مجلس المنافسة لسنة 2022 كان قد وجّه اتهاماتٍ ثقيلة لفاعلي القطاع بالتنسيق في الأسعار وتعطيل المنافسة، قبل أن تُطوى القضيةُ بـ"صُلحٍ" مالي بدل عقوباتٍ رادعة.

فلنُسمِّ الأشياء بأسمائها: القطاع الذي لا يجد فيه العاملُ ألفَ درهمٍ إضافيةً مقابل ست ساعاتٍ من الوقوف الإضافي، هو نفسه القطاع الذي تُحصى أرباحه بالمليارات. الشُّحّ ليس في المال، بل في الإرادة. المضخّة الواحدة تُدرّ ثروةً في أعلاها وفقراً في أسفلها.

 

المفارقة التي تختصر المأساة

وهنا تبلغ الحكايةُ ذروتها المُرّة. الشركة الأولى في هذا القطاع، "أفريقيا"، مملوكةٌ لمجموعة "أكوا" التي يقف على رأسها رجلُ الأعمال عزيز أخنوش. والسيد أخنوش نفسه هو، منذ 2021، رئيسُ الحكومة المغربية. أي إنّ الجهة المُطالَبة دستورياً بحماية الأجراء، وبتفعيل مفتّشية الشغل، وبضبط سوق المحروقات، تلتقي في شخصٍ واحد مع الجهة المستفيدة الكبرى من هذا السوق.

هذه ليست تُهمةً، بل معطًى في متناول الجميع. لكنّ المعطى يفرض السؤال الذي لا مفرّ منه: مَن سيُطبّق القانون على مَن؟ حين يكون المُشرّع الأعلى للسياسات العمومية طرفاً في المعادلة الاقتصادية ذاتها، فأيّ ضمانةٍ تبقى للعامل الواقف عند المضخّة في أن تنتصر له الدولةُ على مشغّله؟ إنّ تضارب المصالح ليس اتهاماً أخلاقياً يُوجَّه لشخص، بل هو خللٌ بنيوي في توزيع الأدوار: لا يستقيم أن تكون يدُك على مقود التنظيم ويدُك الأخرى في جيب القطاع المُنظَّم.

 

القانون موجود، الغائب هو تطبيقه

لا ينقص المغربَ قانون. مدوّنة الشغل واضحة في ساعات العمل والأجر والساعات الإضافية والتغطية الاجتماعية. الناقص هو المراقبة: مفتّشيةُ شغلٍ بلا موارد كافية، وعقوباتٌ لا تُخيف، ووكالاتُ تشغيلٍ وسيطة تُحوّل العامل إلى مجرّد رقمٍ يومي بلا استقرار. والأخطر أنّ سكوت الدولة عن استغلالٍ بهذا الحجم يبعث برسالةٍ إلى كل مشغّلٍ صغير: القانون نصٌّ للزينة، والحماية امتيازٌ لا حقّ.

نحن على أعتاب استحقاقٍ انتخابي في شتنبر 2026، وستُرفع في وجوهنا شعاراتُ "الدولة الاجتماعية". فليكن المعيار بسيطاً هذه المرة: لا تُقاس اجتماعيةُ الدولة بحجم البرامج المُعلَنة، بل بما يحمله العاملُ إلى بيته في آخر الشهر، وبعدد الساعات التي سُرقت منه في الطريق إليه. الكرامة لا تُقاس عند المنصّات، بل تُقاس عند المضخّة، في الرابعة صباحاً، حيث يقف مغربيٌّ منسيٌّ ينتظر من القانون أن يتذكّره.

 

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك