المنصوري في رئاسة الحكومة: امرأة على رأس السلطة التنفيذية… أم رئيسة "منتدبة" لدى وزير المالية؟
رأس الموقع الأول بلا أغلبية جاهزة ومعارضة تتشكل قبل الحكومة
دخلت فاطمة الزهراء المنصوري التاريخ السياسي المغربي من بابه الواسع. فقد استقبلها الملك محمد السادس، يوم الثلاثاء 29 شتنبر، بالقصر الملكي بالرباط، وعيّنها رئيسة للحكومة وكلّفها بتشكيل الحكومة الجديدة، استنادا إلى الفصل 47 من الدستور. وبذلك تصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب. غير أن الرمزية التاريخية للحظة لا تحجب سؤالا أثقل: هل ستحكم المنصوري فعلا، أم ستدير حكومة تُصنع قراراتها الكبرى في مكان آخر؟
أغلبية تحتاج إلى هندسة دقيقة
خرج "البام" من اقتراع 23 شتنبر متصدرا، لكنه لم يخرج حاكما بمفرده. فالحزب حصد 97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، والاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54، ثم الحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17. وأمام المنصوري عتبة 198 مقعدا لضمان الأغلبية، أي أنها تحتاج إلى 101 مقعد إضافي على الأقل.
الحل الأسهل نظريا هو إعادة إنتاج التحالف الثلاثي المنتهية ولايته، إذ تمنح نتائج الأحزاب الثلاثة مجتمعة 228 مقعدا. لكن هذا الخيار يصطدم بواقع جديد: الأحرار، الحزب الذي قاد الحكومة السابقة، خرج جريحا، ويعيش تباينا داخليا بين تيار يدفع نحو كسر العرف والاصطفاف في المعارضة، وآخر لا يرى مبررا لمغادرة موقع الحزب في الحكومات المتعاقبة. أما الاستقلال، فبرلمانه الحزبي سيحسم موقفه يوم السبت المقبل، وسط تجاذبات داخلية لا تقل حدة.
معارضة من طينة مختلفة
قبل أن تبدأ المنصوري مشاوراتها، كانت المعارضة قد بدأت تتشكل. فقد صادق المجلس الوطني للعدالة والتنمية بالإجماع على الاصطفاف في المعارضة، بعد أن عبّر عبد الإله ابن كيران مباشرة بعد النتائج عن رفضه المشاركة في حكومة يقودها "البام". وهذا ليس "بيجيدي" 2021 المنهك، بل حزب عاد بقوة إلى الواجهة، واحتل المرتبة الثالثة من حيث عدد الأصوات رغم حلوله رابعا في المقاعد.
والأخطر على الحكومة المقبلة هو سيناريو التقاء المعارضتين. فالمحلل محمد شقير يرى أن تموقع العدالة والتنمية وتحالف اليسار مبكرا قد يفرز معارضة متوازنة، خاصة إذا قرر الأحرار الذهاب بدورهم إلى المعارضة. وبحساب بسيط، فإن اجتماع "المصباح" و"الحمامة" وتحالف اليسار يعني كتلة تتجاوز 120 نائبا، وقد تقترب من 150 إذا التحق بها الاتحاد الاشتراكي. معارضة بهذا الحجم تملك أدوات الرقابة الدستورية كاملة: لجان تقصي الحقائق، والإحالة على المحكمة الدستورية، وربما التلويح بملتمس الرقابة. والأهم أنها معارضة يقودها خطيب شعبوي من طراز ابن كيران، في مواجهة رئيسة حكومة سبق أن اعترفت هي نفسها بأن الحكومة المنتهية ولايتها عانت من ضعف في التواصل مع المواطنين.
عقدة لقجع: من يمسك الخزينة يمسك الحكومة
هنا يكمن جوهر السؤال. فقبل التعيين، لم يكن اسم المنصوري وحده في السباق. فقد ظل ظل فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم الذي التحق حديثا بـ"البام"، يخيّم على منصب رئاسة الحكومة، قبل أن يُرجَّح الملف الأكثر تجربة للمنصوري. ولقجع ليس وافدا عاديا، فقد دخل المكتب السياسي للحزب، وعرض البرنامج المالي للحزب بغلاف يناهز 390 مليار درهم، وتشير التوقعات إلى أنه سيكون بنسبة كبيرة وزيرا للمالية في الحكومة الجديدة، بالنظر إلى الثقة التي يحظى بها ودوره المحوري في تدبير الملفات الاقتصادية الكبرى.
المفارقة أن لقجع ظل طيلة الولاية السابقة "وزيرا منتدبا" مكلفا بالميزانية، لكنه كان في نظر كثيرين الرجل الأقوى في الحكومة. فإذا انتقل إلى رأس وزارة المالية، مسنودا بملف مونديال 2030 وبشبكة ثقة واسعة، فإن المعادلة قد تنقلب: رئيسة حكومة تتولى الواجهة السياسية والتفاوض الحزبي، ووزير مالية يمسك بمفاتيح القرار الاقتصادي. وحينها لن يكون السؤال ساخرا حين يُقال إن المغرب قد يعيش تجربة "رئيسة حكومة منتدبة لدى وزير المالية".
وما يزيد هذه الفرضية وجاهة أن ابن كيران نفسه، وهو يغلق باب التحالف مع "البام"، يؤكد أن علاقته بلقجع ودية، وهو ما يعني أن خصوم الحزب أنفسهم يميزون بين "البام" كحزب ولقجع كفاعل قائم بذاته.
هل تنجح حيث تعثر الرجال؟
لا يبدأ رصيد المنصوري من الصفر. فهي منتخبة محنكة دبرت مدينة معقدة كمراكش، ووزيرة قطاعية أدارت ملفا اجتماعيا حساسا، وتتمتع بقدرة تفاوضية وشبكة علاقات قوية، وعضو مؤسس لـ"البام" منذ 2008. كما أنها تعرف من الداخل أعطاب الحكومة التي كانت جزءا منها.
لكن تجارب سابقيها تنبه إلى حدود المنصب. عبد الإله ابن كيران حمل شرعية انتخابية قوية، ثم أُعفي بعد أشهر من "البلوكاج" دون أن يشكل حكومته الثانية. وسعد الدين العثماني ترأس حكومة بدت فيها وزارات القرار الاستراتيجي خارج دائرة نفوذه. وعزيز أخنوش جاء بثقل مالي وانتخابي، لكنه غادر وحزبه يخسر ثلث مقاعده. القاسم المشترك أن رئاسة الحكومة في المغرب تُقاس بقدرة صاحبها على فرض إيقاعه داخل هندسة مؤسساتية مركبة، لا بعدد المقاعد وحده.
الامتحان الحقيقي
ستُختبر المنصوري في ثلاث محطات حاسمة. أولها هندسة الأغلبية: هل ستقبل بشروط شريكين متوجسين، أم ستبني تحالفا أوسع ولكنه أهش؟ وثانيها توزيع الحقائب: هل ستحتفظ بصلاحية الاقتراح الفعلي كما يمنحها الدستور، أم ستفرض عليها التوازنات أسماء ومواقع جاهزة؟ وثالثها أول قانون مالية: فإذا جاء بتوقيع لقجع وبصمته وحدها، سيتأكد انطباع "الرئيسة المنتدبة"؛ أما إذا ظهرت فيه أولويات تحمل توقيعها السياسي، في السكن والتشغيل والقدرة الشرائية، فستكون قد رسمت حدود سلطتها منذ البداية.
المنصوري نفسها بدت واعية بحجم الرهان حين قالت إن المرحلة تتميز بانتظارات كبيرة من المواطنين والشباب على وجه الخصوص. لكن الانتظارات لا تُدار بالرمزية. فكونها أول امرأة تقود الحكومة إنجاز يُسجَّل للمغرب، أما كونها رئيسة حكومة حقيقية فإنجاز لم يُكتب بعد، وستكتبه، أو لا تكتبه، في الأشهر الأولى من ولايتها.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!