النمو والتشغيل في المغرب: فجوة المهارات بين التعليم وسوق العمل

النمو والتشغيل في المغرب: فجوة المهارات بين التعليم وسوق العمل

لا يكفي أن ينمو الاقتصاد حتى تتراجع البطالة،
فالنمو وحده لا يخلق الوظائف إذا لم يواكبه تأهيل حقيقي للموارد البشرية.
في كثير من الأحيان يُنظر إلى ارتفاع معدل النمو الاقتصادي باعتباره مؤشرًا كافيًا على تحسن الوضع الاجتماعي، لكن الواقع يبين أن العلاقة بين النمو وسوق الشغل ليست دائمًا مباشرة. ففي المغرب، ورغم تسجيل معدلات نمو إيجابية في عدد من السنوات، لا يزال خلق فرص العمل يواجه صعوبات، خصوصًا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.

مفارقة الأرقام: نمو بلا وظائف كافية

رغم تسجيل المغرب معدلات نمو إيجابية في سنوات عدة، إلا أن خلق فرص العمل يواجه تحديات هيكلية. وبحسب أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط، شهد معدل البطالة ارتفاعًا ليصل إلى مستويات مقلقة.
بلغ معدل البطالة الوطني حوالي 13.7% سنة 2024 ، وترتفع هذه النسبة بشكل حاد بين الشباب (15-24 سنة) لتتجاوز 35% كما تصل البطالة في الوسط الحضري وبين حاملي الشهادات العليا إلى مستويات مرتفعة قد تتجاوز 25% في بعض الجهات . وهذا الوضع يطرح تساؤلًا مهمًا: لماذا لا يواكب النمو الاقتصادي وتيرة خلق فرص الشغل بالشكل الكافي؟

جزء من الجواب يرتبط بطبيعة النمو نفسه، فليس كل نمو اقتصادي قادرًا على خلق نفس عدد الوظائف.
تتركز القيمة المضافة في قطاعات ذات إنتاجية عالية لكنها لا تستوعب يدًا عاملة بكثافة (مثل صناعة السيارات والطيران)، بينما تظل القطاعات المشغلة (كالفلاحة والبناء) عرضة للتقلبات المناخية والظرفية.

كما أن بنية النسيج الاقتصادي تلعب دورًا مهمًا، فالمقاولات الصغيرة جدًا والصغيرة والمتوسطة تمثل أكثر من 90 % من مجموع المقاولات في المغرب ، لكنها غالبًا ما تواجه صعوبات في التمويل والتوسع، وهو ما يحد من قدرتها على خلق فرص شغل مستقرة.

غير أن أحد أهم العوامل التي تفسر هذه المفارقة بين النمو والتشغيل يتمثل في الفجوة بين التعليم وسوق العمل.
فعدد كبير من الشباب يلج سوق الشغل بشهادات لا تتطابق دائمًا مع حاجيات الاقتصاد، في حين تبحث المقاولات عن مهارات تقنية ومهنية محددة قد لا تكون متوفرة بالقدر الكافي. هذه الفجوة تجعل من الصعب تحقيق التوازن بين العرض والطلب في سوق الشغل، رغم وجود فرص في بعض القطاعات.

وتعد الفجوة بين مخرجات المنظومة التعليمية واحتياجات المقاولات حجر العثرة الأكبر. فبينما يبحث الاقتصاد عن مهارات تقنية ورقمية ولغوية دقيقة، لا يزال النظام التعليمي يعاني من:

  • تقادم المناهج: ضعف الملاءمة بين التكوين الأكاديمي والواقع المهني.
  • تراجع التنافسية الدولية: غياب الجامعات المغربية عن المراتب المتقدمة في التصنيفات العالمية، وهو ما يتناقض مع الإرث التاريخي لجامعة القرويين بفاس كأقدم جامعة في العالم.
  • تحدي الرقمنة: تسارع التحول الرقمي يفرض مهارات جديدة لا توفرها المناهج الكلاسيكية بالسرعة المطلوبة.

وتعتبر الرقمنة اليوم محركًا أساسيًا لإعادة تشكيل سوق الشغل في المغرب، إذ لم تعد مجرد قطاع قائم بذاته، بل أصبحت بنية تحتية تتقاطع مع مختلف المجالات. وفي ظل توجه المملكة نحو تعزيز السيادة الرقمية وجذب الاستثمارات في مجالات التكنولوجيا ومراكز البيانات والبرمجيات، تبرز الحاجة إلى مهارات جديدة تتجاوز التكوين التقليدي، وتتمثل في:

  • تحدي المهارات الهجينة: المنافسة العالمية لم تعد تعتمد على وفرة اليد العاملة فقط، بل على مستوى الكفاءة التقنية والإنتاجية.
  • الفجوة الرقمية: تواجه المنظومة التعليمية ضغطًا كبيرًا لتحديث مناهجها لمواكبة لغات البرمجة والذكاء الاصطناعي.
  • فرص الشغل النوعية: يوفر قطاع التكنولوجيا إمكانية خلق وظائف ذات قيمة مضافة عالية وأجور محفزة، إذا تم ربط الجامعة باحتياجات المقاولات.
  • تطوير الإنتاجية: إن تبني الرقمنة داخل المقاولات الصغرى والمتوسطة يرفع من كفاءتها وتنافسيتها، مما يجعلها أكثر قدرة على التوسع والتوظيف المستدام.

إن الاستثمار في الرأسمال البشري الرقمي أصبح شرطًا أساسيًا لتحويل التكنولوجيا من تحدٍ يهدد بعض الوظائف التقليدية إلى فرصة حقيقية لخلق فرص شغل جديدة وتحقيق نمو أقوى.
واقتصاديًا، يرتبط مستوى الأجور ومستوى التشغيل ارتباطًا مباشرًا بالإنتاجية. فكلما ارتفعت القيمة المضافة، أصبحت المقاولات أكثر قدرة على التوظيف وتحسين الأجور، والعكس صحيح. ولهذا فإن تطوير التكوين المهني، وتعزيز التعليم التطبيقي، وربط الجامعة بسوق الشغل، أصبحت عناصر أساسية في أي سياسة تنموية.
وقد تم إطلاق عدة برامج لإصلاح منظومة التعليم والتكوين، بهدف جعلها أكثر انسجامًا مع متطلبات الاقتصاد، لكن تحقيق النتائج يحتاج إلى وقت، وإلى تنسيق أكبر بين مختلف الفاعلين، من مؤسسات تعليمية، ومقاولات، وإدارة عمومية.
التحدي اليوم ليس فقط في خفض معدل البطالة، بل في خلق فرص شغل ذات جودة، قادرة على توفير الاستقرار وتحسين مستوى العيش. وهذا الهدف لا يمكن تحقيقه دون اقتصاد أكثر إنتاجية، وتعليم أكثر ارتباطًا بالواقع، واستثمار أكبر في المهارات.
فالتنمية لا تقاس فقط بنسبة النمو،
بل بقدرة هذا النمو على خلق فرص حقيقية للمواطنين.
وحين يلتقي التعليم الجيد مع اقتصاد منتج،
يصبح التشغيل نتيجة طبيعية، لا هدفًا صعب المنال.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك