الهجرة غير النظامية في المغرب.. حين يصبح البحر أقرب إلى الحلم من الوطن
في بعض الليالي، لا يرى الشاب الذي يفكر في الهجرة غير النظامية البحر مجرد مساحة تفصل بين ضفتين، بل يراه فاصلاً بين واقع يعيشه ومستقبل يتمنى الوصول إليه. وبينما تبدو الرحلة نحو أوروبا مغامرة محفوفة بالمخاطر بالنسبة إلى الآخرين، قد تظهر في نظره فرصة أخيرة لتغيير مسار حياته، حتى وإن كانت احتمالات الفشل أو الموت حاضرة بقوة.
إن الظاهرة لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد رغبة في مغادرة الوطن، بل بوصفها انعكاساً لتشابك عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، حيث تتداخل البطالة مع الطموح، ويصطدم الأمل أحياناً بشعور متزايد بانسداد الآفاق.
ماذا تقول الإحصائيات عن رغبة المغاربة في الهجرة؟
كشفت نتائج استطلاع الباروميتر العربي لسنتي 2023 و2024 أن 35% من المغاربة الذين شملهم الاستطلاع عبّروا عن رغبتهم في الهجرة إلى الخارج. وترتفع النسبة بشكل لافت لدى الفئة العمرية بين 18 و29 سنة، إذ بلغت 55%، مقابل 24% لدى من تجاوزوا سن الثلاثين.
وفي ما يتعلق بأسباب هذه الرغبة، أشار 45% من الراغبين في الهجرة إلى العوامل الاقتصادية بوصفها الدافع الرئيسي، فيما ذكر 18% فرص التعليم، و15% الفساد، و13% أسباباً سياسية، بينما ربط 11% رغبتهم بالالتحاق بأفراد أسرهم في الخارج.
يظل البحث عن فرص الشغل وتحسين مستوى المعيشة من أبرز العوامل التي تدفع بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة. فحين يقضي الشاب سنوات في الدراسة أو التكوين ثم يجد نفسه أمام فرص محدودة أو أجور لا تتناسب مع تكاليف الحياة، قد يبدأ في البحث عن بدائل خارج الحدود.
ولا يرتبط الأمر دائماً بانعدام العمل، بل قد يتعلق أيضاً بضعف الاستقرار المهني، أو غياب فرص التطور، أو الشعور بأن الجهد المبذول لا يضمن حياة كريمة.
وتزداد حدة هذا الإحساس حين يقارن الشاب ظروفه بما يشاهده على مواقع التواصل الاجتماعي من صور لحياة تبدو أكثر رفاهية في الخارج. فبينما تعرض المنصات الرقمية جوانب منتقاة من حياة المهاجرين، قد تغيب عنها صعوبات الغربة، وتكاليف السكن، والتمييز، والعمل غير المستقر.
وهكذا تصبح أوروبا في المخيلة وجهة للنجاح، حتى عندما تكون الصورة التي يحملها الشاب عنها غير مكتملة.
من الرغبة في المغادرة إلى المخاطرة بالحياة
تكمن الخطورة حين تتحول الرغبة في الهجرة إلى استعداد لعبور البحر في ظروف غير آمنة، أو تسليم مصير الإنسان لشبكات تستغل حاجته إلى التغيير.
وتظهر هذه المخاطر في استعمال قوارب غير مجهزة، والاعتماد على وسطاء غير موثوقين، والتعرض للغرق أو الاختفاء، فضلاً عن احتمالات الاستغلال والعنف والاحتجاز خلال الرحلة.
لكن وراء كل محاولة هجرة قصة إنسانية مختلفة؛ فقد يكون صاحبها شاباً عاطلاً عن العمل، أو شخصاً يبحث عن الاستقلال، أو شاباً يشعر بأن سنواته تمر دون أن يحقق ما كان يتوقعه من الحياة.
هل أصبحت الهجرة مؤشراً على أزمة الثقة في المستقبل؟
من الزاوية الفلسفية، لا تكمن المشكلة فقط في رغبة الإنسان في تغيير مكانه، فالهجرة حق واختيار مشروع في حد ذاته، بل في الظروف التي قد تجعل الرحيل يبدو الطريق الوحيد الممكن نحو حياة أفضل.
فعندما يتصور الشاب أن مستقبله مرتبط حصراً بمغادرة وطنه، يصبح السؤال أعمق من مجرد البحث عن عمل. إنه يتعلق بمدى ثقته في قدرته على بناء حياة كريمة داخل المجتمع الذي نشأ فيه.
ولا ينبغي، في المقابل، اختزال المغرب في صورة قاتمة أو افتراض أن جميع الشباب يعيشون اليأس نفسه. فهناك شباب ينجحون في مشاريعهم داخل البلاد، وآخرون يختارون الهجرة النظامية للدراسة أو العمل، لكن استمرار الرغبة الواسعة في المغادرة يفرض التفكير في كيفية توسيع الفرص المتاحة.
خلق فرص عمل مستقرة: مع تحسين جودة الشغل والأجور وآفاق التطور المهني.
دعم المبادرات والمشاريع الشبابية: عبر التكوين والمواكبة وتسهيل الوصول إلى التمويل.
توسيع فرص الدراسة والتكوين: وربط التكوين المهني بحاجيات سوق العمل الفعلية.
تطوير مسارات الهجرة النظامية: من خلال فرص الدراسة والتدريب والعمل القانوني والتعاون الدولي.
تعزيز الثقة في المؤسسات: عبر تكافؤ الفرص، ومحاربة الفساد، وتسهيل الولوج إلى الخدمات.
توعية الشباب بمخاطر العبور غير النظامي: مع تقديم معلومات موثوقة عن البدائل القانونية ومخاطر شبكات الاستغلال.
كما أن للأسرة والمدرسة والإعلام دوراً في مساعدة الشباب على التمييز بين الطموح الواقعي والصورة المثالية التي قد تصنعها بعض المحتويات الرقمية عن الحياة في الخارج.
البحر لا يسأل العابرين عن أحلامهم، ولا يميز بين من يحمل شهادة جامعية ومن غادر مقاعد الدراسة مبكراً؛ إنه يظل خطراً واحداً أمام الجميع.
ولذلك، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية لا تتحقق فقط بمنع الرحلات الخطيرة، بل ببناء واقع يجعل البقاء خياراً قابلاً للحياة، ويمنح الشباب أسباباً حقيقية للاستثمار في مستقبلهم.
فالوطن لا يحتفظ بأبنائه بالشعارات، وإنما بقدرته على منحهم الأمل والفرصة والشعور بأن أحلامهم يمكن أن تجد طريقها إلى التحقق، سواء داخل حدوده أو خارجها عبر طرق آمنة وقانونية.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!