الهجوم على السمارة .. المسدس جزائري والبصمات للبوليساريو

الهجوم على السمارة .. المسدس جزائري والبصمات للبوليساريو

"بقلم الكاتب والصحافي عبدالهادي مزراري"

يوم 5 ماي الجاري شنت ميليشيا البوليساريو هجوما بمقدوفات على ضواحي مدينة السمارة، وحسب الأنباء المتناقلة تمت عملية القصف بعد عبور التراب الموريتاني هذه المرة، وليس عبر التراب الجزائري كما في حالات سابقة.

قبل الحديث عن ردود الفعل الدولية حيال هذا الحادث وتداعياته، يجب التوقف عند السياق الذي جرى فيه، على ضوء الأجوبة على الأسئلة التالية:

- هل من مصلحة البوليساريو القيام بهذه العملية، وفي هذا التوقيت بالذات، حيث يخضع النزاع برمته لمراقبة شديدة من الأمم المتحدة والدول الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الراعي الأول على تطبيق قرار مجلس الأمن 2797؟

- هل جبهة البوليساريو هي من قررت بنفسها القيام بهذا الهجوم دون الرجوع إلى النظام الجزائري؟ أم أن النظام الجزائري كعادته هو من أوعز لها القيام بالهجوم (لأن جبهة البوليساريو كلها في حقيبة جزائرية)؟

البوليساريو يطلق النار على قدميه

حسب كل القراءات المحتملة، يعد هجوم السمارة عملية انتحارية لجبهة البوليساريو، لأنه عسكريا لا يوجد له أي تأثير على الوضع القائم، بينما سياسيا يرتد على البوليساريو ويشدد الحبل حول رقبتها.

علاوة على أن الجهة أصبحت موضوع نقاش له علاقة بالإرهاب في دوائر سياسية وتشريعية وأمنية أمريكية وأوروبية، فإن قرار مجلس الأمن الدولي 2797 لم يترك لها لا خيارا عسكريا ولا حتى خيارا سياسيا. وأصبح يلجمها ضمن الأطراف الأخرى باتباع خطة الأمم المتحدة لإنهاء النزاع في إطار التفاوض تحت سقف الحكم الذاتي في إطار سيادة المغرب على الصحراء.

إذن هل يمكن القول إن جبهة البوليساريو، سواء كانت بعلم النظام الجزائري أو بدون علمه، قامت بهذا الهجوم كردة فعل على رفض المسار الذي أصبح محتم عليها السير فيه؟

في هذه الحالة يكون الهجوم على ضواحي السمارة تصرفا يعبر عن اليأس ويكشف حالة من الاضطراب تعيشه جبهة البوليساريو ومعها طبعا النظام الجزائري.

ثمة حدث يستحق التوقف عنده، وهو أن جبهة البوليساريو حسب قولها إنها "اعتقلت العناصر، التي أطلقت المقدوفات باتجاه مدينة السمارة"، وفسرت الأمر على أنه "خارج عن السيطرة".

إذا اعتبرنا هذا الخبر صحيحا، فهو لا يفسر إلا حقيقة قائمة، وهي أن البوليساريو تعيش فعلا حالة يأس، خاصة في ضوء التطورات، التي أعقبت صدور القرار 2797، وألجمت النظام الجزائري بتحمل مسؤوليته في النزاع التي طالما حاول إخفاءها وراء حياد مزعوم.

اللعب بورقة البوليساريو يقرب الجزائر من حبل المشنقة

بسبب الضغوط الممارسة على النظام الجزائري، وفي ظل انتقال ميزان القوة الدبلوماسية في النزاع لصالح المغرب (اعتراف دولي واسع بسيادته على الصحراء زائد قرار مجلس الأمن 2797)، لم يعد باستطاعة النظام الجزائري اللعب بورقة البوليساريو، وأصبح استعمالها يقربه من المشنقة.

هناك أسباب كثيرة لتصاب البوليساريو باليأس والإحباط، وفي مقدمة ذلك، أنها لم تعد الطرف الرئيسي في عمليات التفاوض، بل أصبحت تحتل المقعد الخلفي في كل اللقاءات التي تلت صدور القرار الدولي في 31 أكتوبر 2025. بينما يتم إقعاد الجزائر على الكرسي الأمامي قبالة المغرب بإشراف أممي وأمريكي. كما أن السيد مسعد بولس مبعوث الرئيس الأمريكي يركز على لقاءاته مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ووزير الخارجية أحمد عطاف وليس مع أي عنصر في جبهة البوليساريو.

ثمة جملة معبرة قالها ديميستورا، مبعوث الأمين العالم للأمم المتحدة المكلف بنزاع الصحراء، وهي "يتعين على جبهة البوليساريو تقديم تنازلات". وحتى دون أن يكشف عن فحوى تلك التنزلات، فهي ليست تنازلا واحدا وإنما عدة تنازلات، تتعلق بالجوهر وكذلك بالشكل.

فئة من قادة البوليسلريو لا مستقبل لها

من حيث الجوهر، فلا خيار غير خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

ومن حيث الشكل هناك شروط تتعلق بمن يحق لهم العودة، فليس كل سكان المخيمات من أصول صحراوية من الساقية الحمراء ووادي الذهب، حيث هناك نازحون من صحاري موريتاتيا والجزائر ومالي. وهذا يطرح إشكالا خطيرا على جبهة البوليساريو وعلى النظام الجزائري.

من جهة أخرى، هناك شرط لا يقل أهمية بالنسبة لقادة جبهة البوليساريو ويتعلق بدورهم في تسيير الشأن المحلي بالأقاليم الجنوبية في حال عودتهم إلى المغرب، ومدى حظوظهم في الفوز في انتخابات تشارك فيها النخب السياسية الصحراوية القوية والموجودة في الميدان منذ استرجاع الصحراء من الاحتلال الإسباني.

في ظل هذه المعطيات وغيرها لا ترى فئة من قيادات البوليساريو أي مستقبل لها في المخطط الأممي، وهذا ما يجعلها في وضعية اليأس المستمر، قد تكون له تداعيات وانشقاقات ما لم يتدخل النظام الجزائري الذي هو الفاعل الرئيسي في تدبير شأن البوليساريو.

في ظل التنديدات الدولية والأممية غير المسبوقة ضد هجوم ميليشيا البوليساريو على ضواحي السمارة، اتخذ النظام الجزائري موقف المتفرج ولم يقدم عبر وسائل إعلامه ما يفيد انه متحمس لهذا الهجوم كما فعل طيلة تاريخ النزاع، وهو ما يؤشر لأمور تحدث في الخفاء، قد تكون بداية يمنح فيها النظام الجزائري جبهة البوليساريو "حق تقرير مصيرها".

بطريقة أو بأخرى، يتصرف النظام الجزائري وفق الإكراهات التي يعانيها فهو بسبب قضية الصحراء أصبح في عزلة تامة، وتوثرت علاقاته مع معظم العواصم، التي عبرت عن موقفها لصالح المغرب، وكلما زادت الضغوط عليه، كلما بحث عن مسالك للهروب ولو عبر الأنفاق المظلمة، فهو ماكر بما يكفي إلى حد اتخاذ قرار بدفع البوليساريو للاصدام بالحائط وتحميلها المسؤولية. وبذلك لا يستبعد أن تكون عملية استهداف السمارة تمت بواسطة مسدس جزائري لكنه يحمل بصمات البوليساريو.

طابت أوقاتكم

بقلم:

عبد الهادي مزراري

عبد الهادي مزراري كاتب، صحافي، وباحث في العلاقات الدولية والشؤون الإستراتيجية. يظهر كعضو فاعل وضيف محلل في العديد من البرامج الحوارية، الندوات، والبودكاستات السياسية، حيث يركز في تحليلاته على العلاقات الدبلوماسية للمملكة (المغربية-الإسبانية، المغربية-الفرنسية)، الشراكات الإستراتيجية، ومبادرات التعاون جنوب-جنوب في القارة الإفريقية...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك