"الوكالة" تنتصر مجددًا.. مغاربة الخارج بلا دوائر انتخابية في 2026

"الوكالة" تنتصر مجددًا.. مغاربة الخارج بلا دوائر انتخابية في 2026

مع اقتراب انتخابات مجلس النواب المقررة يوم 23 شتنبر 2026، يعود إلى الواجهة ملف قديم-متجدد لم يجد طريقه إلى الحسم منذ أكثر من عقدين: مشاركة المغاربة المقيمين بالخارج في اختيار ممثليهم بالبرلمان. فبينما يتجاوز عدد أفراد هذه الجالية خمسة ملايين نسمة، أغلبهم في أوروبا، يبقى صوتهم الانتخابي رهين آلية "الوكالة" التي يعتبرها كثيرون منهم غير كافية لضمان مشاركة فعلية وعادلة.

قرار الداخلية: لا لدوائر خاصة بالخارج

خلال الجلسة التشريعية التي عقدها مجلس النواب يوم فاتح دجنبر 2025 للمصادقة على حزمة القوانين التنظيمية للاستحقاقات المقبلة (قانون مجلس النواب، قانون الأحزاب السياسية، وقانون اللوائح الانتخابية)، رفض وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت تعديلاً برلمانياً كان يهدف إلى إحداث دوائر انتخابية خاصة بمغاربة الخارج. وبرر الوزير موقفه بصعوبة توفير الشروط اللوجستية والقانونية اللازمة لتنظيم تصويت مباشر خارج التراب الوطني، مؤكداً التمسك بنظام "الوكالة" كصيغة وحيدة لممارسة الجالية لحقها الانتخابي.

نظام الوكالة، للتذكير، يسمح للمغربي المقيم بالخارج بتفويض شخص آخر مسجل في نفس المكتب الانتخابي للتصويت نيابة عنه داخل التراب الوطني - وهي صيغة يعتبرها عدد من الفاعلين السياسيين والمدنيين معقدة وغير عملية، خصوصاً بالنسبة لأجيال الجالية الجديدة الأقل ارتباطاً بالحضور الفيزيائي داخل المغرب.

انقسام حزبي حول الملف

المشهد الحزبي لم يكن موحداً في التعاطي مع هذا الملف. فحزب التقدم والاشتراكية كان من بين الأصوات التي طالبت صراحة بإحداث دوائر انتخابية لمغاربة الخارج، مع اقتراح اعتماد تصويت إلكتروني مبكر داخل هذه الدوائر، وتخويل القنصليات المغربية بالخارج مهام التسجيل وإيداع الترشيحات وعمليات التصويت والفرز.

في المقابل، أبدت أحزاب المعارضة تفهماً للتعقيدات اللوجستية التي يطرحها هذا التوجه، مستبعدة تقديم مقترحات قوانين جديدة في هذا الشأن ما لم تحظ بإجماع بين الأغلبية والمعارضة. أما مكونات الأغلبية الحكومية فعبّرت عن استعداد لإعادة فتح النقاش البرلماني حول هذا الملف خلال السنة التشريعية المقبلة، دون التزام واضح بموعد أو صيغة نهائية.

سابقة 1984 المنسية

ما يزيد من حدة النقاش هو أن المغرب سبق له أن جرّب صيغة الدوائر الخارجية فعلياً: ففي انتخابات 1984، أُحدثت خمس دوائر انتخابية خارج التراب الوطني لتمثيل الجالية المغربية بالبرلمان، قبل أن يُتخلى عن هذه التجربة في المحطات الانتخابية اللاحقة دون تفسير رسمي واضح.

كما أن الملف حظي بتنصيص ملكي صريح: ففي خطاب المسيرة الخضراء بمناسبة الذكرى الثلاثين، يوم 6 نونبر 2005، أعلن الملك محمد السادس عن ضرورة إحداث دوائر تشريعية انتخابية بالخارج تمكّن المغاربة المقيمين خارج الوطن من اختيار ممثليهم بالغرفة الأولى للبرلمان. عشرون سنة بعد ذلك الخطاب، لا يزال هذا التوجه الملكي بانتظار ترجمة تشريعية.

الإطار الدستوري مقابل الواقع التشريعي

دستور 2011 حسم من حيث المبدأ في تمتع مغاربة العالم "بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح، انطلاقاً من بلدان الإقامة"، لكنه أحال شروط الممارسة الفعلية إلى القانون العادي. وهو ما جعل الملف رهين إرادة تشريعية لم تتبلور بعد، رغم مرور أربع محطات انتخابية تشريعية منذ إقرار الدستور (2011، 2016، 2021، و2026 المقبلة).

فاعلون في المجتمع المدني المهتم بقضايا الجالية، من بينهم رئيس منتدى الكفاءات والنخب بالخارج، يرون أن الأحزاب السياسية تجمع خطابياً على أن تمثيل مغاربة العالم حق دستوري واجب التفعيل، لكن وزارة الداخلية تقدم في كل محطة انتخابية قانوناً لا يشملهم فعلياً. باحثون في مجال الهجرة الدولية يدعون من جهتهم إلى دراسة تجربة 1984 بعناية لتفادي تكرار الهفوات التي رافقتها، مع الاستفادة من تجارب دول أخرى مثل فرنسا والبرتغال وتونس والسنغال في تمثيل جالياتها بالخارج.

تناقض صارخ: المال مرحّب به، الصوت الانتخابي لا

ما يعمّق حدة هذا الجدل هو الدور المحوري الذي تلعبه تحويلات مغاربة العالم في الاقتصاد الوطني. فحسب بيانات مكتب الصرف، بلغت هذه التحويلات خلال سنة 2025 ما مجموعه 122,02 مليار درهم، أي أكثر من 13 مليار دولار، مسجلة أعلى مستوى في تاريخها بزيادة 2,6 بالمائة مقارنة بسنة 2024. هذا الرقم يمثل نحو 8 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي للمملكة، ويجعل من الجالية المصدر الأول للعملة الصعبة بالمغرب، متقدمة على السياحة والصادرات الصناعية والفوسفات. كما بلغت ودائع مغاربة العالم في البنوك المغربية أزيد من 210 مليارات درهم، وفق بنك المغرب. وتتوقع المؤسسة استمرار هذا المنحى التصاعدي، لتصل التحويلات إلى نحو 130 مليار درهم بحلول 2027، في وقت تشكل فيه هذه الأموال رافعة أساسية لتمويل استهلاك الأسر والسكن والتعليم والعلاج، إضافة إلى تعزيز احتياطيات الصرف التي يراهن عليها المغرب لضمان استقراره المالي.

هذا الثقل الاقتصادي الهائل يضع الدولة أمام تناقض يصعب تجاهله: الجالية مرحّب بأموالها وتحويلاتها بوصفها "ركيزة استراتيجية" و"صمام أمان" لميزان الأداءات، وتُستثمر خطاباتها التحفيزية في كل تقرير رسمي عن الاقتصاد الوطني، لكنها في المقابل تظل مستبعدة من حق اختيار من يدبر الشأن العام الذي تموّله جزئياً بالعملة الصعبة. فمن يساهم في ملء خزينة الدولة وتمويل مشاريعها التنموية بمليارات الدراهم سنوياً، يجد نفسه في موسم الانتخابات محروماً من صوت مباشر يحدد من يسيّر هذه الأموال ويضع سياسات إنفاقها، مكتفياً بصيغة "الوكالة" التي تحوّل حقه الدستوري إلى إجراء إداري معقد رهين تفويض شخص ثالث. مفارقة تجعل السؤال عن جدية الدولة في إشراك مغاربة العالم في القرار السياسي، لا الاقتصادي فقط، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

سؤال الحسابات السياسية

يلاحظ متتبعون أن الفيتو على الدوائر الخارجية تكرر في محطات 2015 و2021 و2026، رغم أن الداخلية وزارة سيادية تنفذ توجيهات ملكية واضحة في هذا الباب من حيث المبدأ. هذا التكرار يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: هل يعود التردد فعلاً إلى صعوبات لوجستية وتقنية، أم أن وراءه حسابات سياسية أعمق مرتبطة بتخوف الفاعلين الحزبيين من كتلة انتخابية ضخمة (تفوق 5 ملايين ناخب محتمل) تفلت من هندستهم الانتخابية المعتادة وقواعد نفوذهم التقليدية؟

في انتظار حسم هذا الجدل، تبقى المشاركة السياسية لمغاربة الخارج في تشريعيات 23 شتنبر 2026 محكومة بالصيغة القائمة: تسجيل في اللوائح الانتخابية العامة (عبر القنصليات أو المنصة الرقمية www.listeselectorales.ma)، وتصويت بالوكالة لمن أراد ممارسة حقه فعلياً، في انتظار إصلاح تشريعي لا يزال مؤجلاً منذ عقدين على الأقل.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك