بعض ما جاء في باب الفرح

بعض ما جاء في باب الفرح

حديثنا اليوم عن الفرح.
وبما أن السعادة، هذه الحالةَ الوجدانية والعُصابية المستقرة والمطمئنة وطويلةَ الأمد، وهم من الهلاميات الزائلة، فإن الفرح هو هذه الحالةُ الانفعالية المستجيبةُ لحدثٍ مّا، في لحظة مّا؛ وتقاس استمراريته بشحنة هذه اللحظة وحجم ذاك الحدث، فتنخفض هرمونات التوتر، وينحجب الألم، وينتعش المزاج.
ورغم أنه مرتبط باللحظة والحدث، فإن الفرح لا يزول.
يتقادم الحدث، وتمّحي اللحظة؛ لكنّ الحدث لا يفنى، وطعمَ اللحظة لا يزول.
الزائل الفاني هو اللذةُ وليس الفرح.
وحتى السعادة فإنّ كينونتها مشروطة بالدوام واستقرار الحالة الوجدانية والعصابية، وإلا فوهمٌ من الأوهام الهلامية.
وبما أن الفرح عاطفة مركزية تؤشر، حسب سبينوزا، على مدى قدرة الإنسان على تجاوز الألم والفقد، فإنه يصبح الأداة الوحيدة للتحرر والمقاومة والاستمرار.
وقد ينقلنا هذا التفكير مما هو نفسيّ إلى ما هو اجتماعي، فنتساءل: لماذا تسود أجواء الفرح في المراسيم الجنائزية؟
تلاوات قرآنية، وخشوع، وأدعية، وأحاديث هامشية، ومآدب، ودعابات، وضِحْكاتٌ، وطرائفُ أحياناً.
وفي منزلٍ مجاور، يُهيأ المتوفى في أجمل حلله ويوضع الورد فوق جثته، ويرتدي المودّعون أليق أثوابهم، ويشربون نخبه، أو نخب بقائهم بعده.
وفي تايوان، يرقصون لأمواتهم، وتختلط الدموع في مراسيمهم الجنائزية بالغناء ودقات الطبول.
والسؤال: كيف نجد الفرح في قلب الخراب؟
مبدئياً، لا يمكن فصل الفرح عن الألم مثلما يقول نيتشه الذي يضيف بأن الإنسان يضحك لأنه أكثر الكائنات شعوراً بالألم.
ويقول سبينوزا، فيلسوف الفرح، إن الفرح انتقال الشخص من كمالٍ أقلَّ إلى كمال أتمّ، مثلما أن الحزن انتقال من كمال أعظم إلى كمال أنقص. وبالتالي فإن الفرح دليل على نجاح الشخص في التكيّف والتحرر والقدرة على اكتساب المعرفة.
وعندما أقول إن الفرح الأداةُ الوحيدة للتحرر والمقاومة والاستمرار، فإنني لا أفكر في الفلسفة الطاوية التي تعتبر أن الفرح المطلق ينبع من التحرر من الجهل، ويعكس التناغم المطلق مع الذات والطبيعة، وإنما أفكر في لحظات بسيطة تشرق فيها الشموس بدواخلنا وإن كانت سماواتنا رمادية:
      كأنْ تنجح في مباراة وظيفية، أو تلتقي بمن لم تكن تتوقعه، أو تهديَك ابنتُك وساماً في يوم الأبوة.
        هذه شموس لا تغرب، وإن كانت بسيطة.
دامت شموسكم، وللحديث بقية ما دام في العمر بقية.

بقلم:

شكري البكري

الأستاذ شكري البكري هو إعلامي، كاتب، وشاعر مغربي بارز، ويعد من القامات الإذاعية المرجعية في المشهد الإعلامي العربي والوطني، حيث ارتبط صوته وأسلوبه الرصين لسنوات طويلة بأثير إذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية (ميدي 1 - Medi 1). ارتبط اسم الأستاذ شكري البكري بتقديم وإعداد برامج ثقافية وفكرية رصينة حظيت بمتابعة واسعة في المغرب والعالم العربي، لعل من أبرزها برنامج "بين السطور"، وبرنامج "كتاب المقالة"، بالإضافة إلى مساهمته في تقديم المجلات الإخبارية والتحليلية السياسية...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك