بين "فخ نابليون" وطموح السيادة: كيف ترسم الطاقة ملامح العالم في 2026؟

بين "فخ نابليون" وطموح السيادة: كيف ترسم الطاقة ملامح العالم في 2026؟

في تحليلها الأخير حول الصراع الاقتصادي المحتدم بين إدارة ترامب وبكين، استحضرت مجلة "تايم" (TIME) الحكمة العسكرية الأشهر لنابليون بونابرت: "لا تقاطع عدوك أبدًا وهو يرتكب خطأً". هذا المبدأ، الذي يُعرف بـ "فخ نابليون"، يبدو أنه المحرك الصامت للسياسة الصينية في مواجهة العودة القوية لسياسات "أمريكا أولاً". فبينما يرى البعض في القرارات التجارية الأمريكية المتسارعة ضغطاً، تراها بكين "فرصة" للابتعاد أكثر عن التبعية للغرب وتحصين سيادتها من الداخل.

 

التنين الصيني: نمو مدعوم بـ "الاستقلال الطاقي"

 

الأرقام الصادرة في الربع الأول من عام 2026 تحمل دلالات استراتيجية عميقة؛ فقد سجل الاقتصاد الصيني نمواً بنسبة 5%، متجاوزاً التوقعات المتشائمة. لكن القصة الحقيقية لا تكمن في نسبة النمو فحسب، بل في "هيكل السيادة" الذي بنته بكين.

 

السر يكمن في معادلة (75/25) الطاقية:

  • 75% إنتاج محلي: استثمرت الصين خلال السنوات الخمس الماضية بشكل هائل في الفحم النظيف، المفاعلات النووية من الجيل الرابع، والطاقات المتجددة، لتنتج ثلاثة أرباع حاجتها محلياً.
  • 25% استيراد: هذا الهامش المنخفض للاستيراد يمنح بكين حصانة ضد تقلبات الأسعار الدولية، ويجعلها في وضع المترقب الذي يراقب "أخطاء الخصوم" دون أن يتأثر مباشرة بلهيب الحروب.

 

الحرب وإعادة التموضع: روسيا وإيران نموذجاً

 

على جبهة أخرى، أثبتت الطريقة التي أدارت بها إيران ملف المواجهات الأخيرة أن "فن إدارة التصعيد" قد تغير. لقد خرجت الأطراف من الحرب بصيغة "لا خاسر"، حيث تم الحفاظ على توازنات الردع دون الانهيار الكامل.

 

وعند النظر إلى الطريقة التي سُيّرت بها الحرب الأخيرة في المنطقة، نجد أننا أمام "عقيدة عسكرية جديدة". فقد أدارت إيران الصراع باستراتيجية "التعطيل الشامل" بدلاً من المواجهة المباشرة المدمرة؛ حيث حولت قدراتها الصاروخية ومسيراتها إلى سلاح لتعطيل إمدادات الطاقة العالمية (سلاح التعطيل الشامل)، مما جعل الخروج من الحرب بصيغة "لا خاسر" أمراً ممكناً للحفاظ على بقاء النظام وتوازنات الردع.

 

أما روسيا، فقد لعبت دور "المستفيد الأكبر" والموجه الخفي. موسكو لم تكتفِ بالدعم الدبلوماسي، بل استغلت انشغال واشنطن في "المستنقع الإيراني" لتعزيز سيادتها الدولية في ملفات أخرى. روسيا تستثمر اليوم في الفوضى كأداة لرفع أسعار الطاقة وتأمين ممراتها التجارية، مما أدى لارتفاع مداخيلها رغم العقوبات، محولةً الأزمة إلى فرصة لترسيخ "قطب سيادي" لا يمكن تجاوزه في أي نظام عالمي جديد.

 

وتستفيد ايضا روسيا اليوم من الحرب الإيرانية-الإقليمية كـ "صاعق تفجير" لتشتيت الانتباه الغربي عن الجبهة الأوكرانية. فبينما كانت واشنطن وحلفاؤها يركزون ثقلهم العسكري والمالي لدعم كييف، جاءت الطريقة التي سُيّرت بها الحرب في الشرق الأوسط لتفرض واقعاً جديداً؛ حيث اضطر الغرب لتقسيم موارده الدفاعية المحدودة بين حماية ممرات الملاحة في الخليج وبين خنادق دونباس.

 

روسيا، من جانبها، لم تخرج خاسرة من هذا التشتت، بل استغلت الوضع لترسيخ سيادتها الميدانية في أوكرانيا، مستفيدة من استنزاف المخزون الغربي للصواريخ والمسيرات التي استُهلكت في جبهة الشرق الأوسط هي ذاتها التي كانت موجهة لدعم الجيش الأوكراني.

 

المغرب: سباق مع الزمن نحو "السيادة الطاقية"

 

في ظل هذا "الارتفاع الصاروخي" لأسعار الطاقة العالمية وتكاليف الشحن المرتبطة بالحروب، يجد المغرب نفسه أمام ضرورة استراتيجية قصوى. لم يعد استيراد الطاقة من الخارج مجرد عبء مالي على ميزانية الدولة، بل أصبح تحدياً مباشراً لسيادة القرار الوطني.

 

إن الدرس الصيني في الاكتفاء الذاتي يجب أن يكون ملهماً؛ فالمغرب اليوم مطالب بـ:

  1. تسريع التنزيل الميداني: لم يعد هناك متسع لانتظار الدراسات؛ مشاريع الطاقة البديلة (الشمسية، الريحية، والهيدروجين الأخضر) يجب أن تُنفذ بـ "سرعة حربية" لتقليص فاتورة التبعية.
  2. فك الارتباط بالخارج: السيادة الطاقية هي الضمانة الوحيدة لحماية النمو الاقتصادي من الهزات الارتدادية للصراعات الكبرى.

 

خاتمة التحليل:

 

إن "الأخطاء" التي تحدث عنها نابليون، والتي تتركها القوى العظمى لبعضها البعض، هي دروس مجانية للدول الطموحة كالمغرب. فالعالم في 2026 لا يحترم إلا من ينتج طاقته بيده، ومن يمتلك الحكمة لترك الخصوم يغرقون في أزماتهم، بينما يبني هو قلاعه السيادية فوق أرض صلبة.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

الأستاذ رضا الحكيم الشعيري، المدير العام لبوابة طنجة الأخبار، إعلامي وباحث مغربي، ويعد من الأسماء الشابة والنشطة في الحقل الإعلامي والثقافي بجهة طنجة - تطوان - الحسيمة، حيث يجمع بين العمل الصحفي الميداني والاهتمام بقضايا التنمية والتاريخ المحلي. يُعرف بإنتاجه لتقارير إخبارية وقصاصات ومقالات رأي تتميز بالدقة والرصانة، مع التركيز على تسليط الضوء على الموروث الثقافي اللامادي لشمال المملكة، وكذا تتبع الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة...

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك