حين يبلغ الوهمُ تريليوناً قراءةٌ نقديةٌ في طبيعة الثروة الرقمية
حين أُعلن أن إيلون ماسك أصبح أول تريليونير في التاريخ إثر اكتتاب "سبيس إكس"، اندفعت وسائل الإعلام العالمية تُبشّر بالحدث كأنه انتصار حضاري. لكن أحداً لم يطرح السؤال الأبسط والأكثر إزعاجاً:
أين هذا التريليون فعلاً؟
لا في خزنة، ولا في مستودع ذهب، ولا في أرض زراعية تُنتج وتُطعم. إنه رقمٌ على شاشة، مشتقٌّ من رقم آخر على شاشة أخرى، يُحسَب بضرب عدد الأسهم في سعرها اللحظي سعرٍ يتغير كل ثانية، ويمكن أن ينهار في ساعات.
هذه ليست ثروة. هذه رواية مالية مُتفَق عليها وكل رواية قابلة للنسيان.
الكذبة البنيوية: الثروة التي لا يملكها أحد
النظام المالي الحديث قائمٌ على مفارقة صارخة: أكثر الناس ثروةً في العالم لا يملكون ثروتهم فعلياً.
ماسك لا يستطيع بيع أسهمه كلها دفعةً واحدة لأن ذلك سيُنتج عنه انهيار أسعارها فوراً وسيمحو ثروته بيده. هو إذن رهينةُ الرقم لا مالكه. ثروته مشروطةٌ بألا يُحاول يوماً تحصيلها فعلياً. إنه أغنى رجل في العالم بشرط ألا يكون غنياً حقاً.
وهذا ليس استثناءً فردياً بل هو قاعدة النظام برمّته:
• البنوك تُقرض أموالاً لا تملكها
• الحكومات تطبع عملات لا رصيد حقيقي لها
• المستثمرون يتداولون ديوناً على ديون على ديون
الجميع يلعب في ملعب الأرقام، والأرقام تلعب بالجميع.
منسا موسى: حين كانت الثروة حقيقية
المفارقة المُذهلة أن منسا موسى، ملك مالي في القرن الرابع عشر، كان أكثر ثراءً حقيقياً من كل أثرياء العصر الرقمي مجتمعين لا لأنه كان يملك أرقاماً أضخم، بل لأن ثروته كانت موجودةً فيزيائياً:
ذهبٌ تستطيع وزنه، أرضٌ تستطيع قياسها، طرقٌ تجارية تستطيع السير فيها، ملحٌ وقوافل وجند.
حين أنفق في القاهرة، انخفض سعر الذهب فعلاً لسنوات لأن ذهبه كان حقيقياً يدخل السوق ويُغير موازينه. جرِّب أن تبيع أسهم ماسك كلها وانظر كيف يختفي "التريليون" قبل أن تُتم الصفقة.
الفارق ليس في الحجم بل في الجوهر: ثروةٌ من تراب وذهب في مقابل ثروةٌ من توقعات وبيانات.
الشاشة: أكبر وهمٍ اخترعته البشرية
ما صنعه الاقتصاد الرقمي الحديث هو شيءٌ لم تجرؤ عليه أي حضارة سابقة: فصل الثروة عن الواقع كلياً.
في السابق، حتى النقود الورقية كانت مربوطةً بالذهب معيار الذهب كان القيد الأخير الذي يُلزم المال بأن يعني شيئاً. حين أُلغي هذا المعيار عام 1971، تحرر المال من آخر قيوده المادية، وأصبح الاتفاق الجمعي هو الضمان الوحيد لقيمته.
اليوم، ثروة ماسك لا تستند إلى شيء سوى أن ملايين المستثمرين يُصدّقون معاً أن سياراته ستسير ذاتياً وصواريخه ستبلغ المريخ. إنها لعبة إيمان جماعي لا تختلف في جوهرها عن أي فقاعة مالية في التاريخ، غير أنها أضخم وأكثر تنظيماً.
والإيمان الجماعي، كما يُعلّمنا التاريخ، قابلٌ للانهيار في لحظة.
خطورة الوهم: حين يصبح الاقتصاد العالمي قنبلةً موقوتة
لو كان الأمر مجرد وهمٍ فردي يخص ماسك وأمثاله، لأمكن التغاضي عنه. لكن الخطورة الحقيقية أن هذا الوهم بات الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد العالمي بأسره وهذا ما يُبقي الاقتصاديين مستيقظين في منتصف الليل.
أولاً: الفقاعات المتسلسلة
الاقتصاد العالمي اليوم ليس فقاعةً واحدة بل فقاعاتٌ متداخلة؛ فوق بعضها كالطوابق. أسهمٌ مبنيةٌ على توقعات، وتوقعاتٌ مبنيةٌ على قروض، وقروضٌ مبنيةٌ على أصول مُضخّمة القيمة، وتلك الأصول قيمتُها مستمدةٌ من أسهم أخرى. حين تنهار طبقةٌ واحدة، تتساقط البقية بالتتابع كأحجار الدومينو وهو بالضبط ما حدث عام 2008 حين كشفت أزمة الرهن العقاري أن تريليونات الدولارات لم تكن سوى وعودٍ فارغة مُوثَّقة بعقود أنيقة.
ثانياً: السياسة النقدية المُخدِّرة
حين تهتز الأسواق، لا تتردد البنوك المركزية في ضخ السيولة أي طباعة المزيد من المال من العدم لإنقاذ النظام. وهذا "العلاج" ليس سوى مُسكّن يُؤخّر الانفجار ويضاعف حجمه. الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ضخ أكثر من تسعة تريليونات دولار بين 2008 و2022 أي أنه خلق ثرواتٍ ورقية جديدة لتغطية انهيار ثرواتٍ ورقية قديمة. والنتيجة الحتمية لهذه الدورة الجهنمية هي تضخمٌ يأكل القدرة الشرائية للفقراء بينما تبقى ثروات الأغنياء محمية خلف أصولٍ صلبة وعقارات وذهب.
ثالثاً: الهيمنة النفسية للرقم
الأخطر من الانهيار المالي هو الانهيار النفسي المُسبَق. المجتمعات الحديثة باتت تقيس قيمة الأشياء بل قيمة الأشخاص بمقياس الرقم. دولةٌ ينمو ناتجها المحلي تُعتبر ناجحةً حتى لو كان شعبها يعاني. شركةٌ ترتفع أسهمها تُعتبر مُبدِعةً حتى لو لم تُنتج شيئاً ملموساً. ومليارديرٌ يرتفع رقمه على الشاشة يُعتبر عبقرياً حتى لو كانت ثروته مجرد انعكاسٍ لثقة مؤقتة.
هذه الهيمنة النفسية تجعل الناس يُدافعون عن الوهم الذي يضرّهم لأن انهياره يعني اعترافاً مُؤلماً بأن العقود الماضية كانت بناءً على رمال.
رابعاً: الدول النامية: الضحايا الصامتون
في حين يتلاعب الأغنياء بأرقامهم، تدفع الدول النامية الثمن نقداً حقيقياً. حين ترتفع الفائدة الأمريكية لكبح التضخم الناجم عن طباعة المال، تنهار عملات دول لم تطبع ولم تُبذّر. وحين تنسحب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة بحثاً عن ملاذات آمنة، تجد تلك الدول نفسها في أزمة ديون خانقة لا لأنها أخطأت، بل لأن توقيت لعبة الأرقام في نيويورك لم يُناسبها.
الدول الأفريقية والعربية والآسيوية تعرف هذا المعنى جيداً: فقرٌ حقيقي ناجمٌ عن أزمة رقمية في بورصة بعيدة لا تعنيها مباشر
الأخطر: من يدفع ثمن الوهم؟
حين تنهار فقاعة مالية، لا يخسر الأغنياء كثيراً لأن ثروتهم كانت وهماً أصلاً. الذي يخسر حقاً هو:
• صاحب الراتب الذي ادخر عمره في صندوق تقاعد مرتبط بالبورصة
• الدولة النامية التي ربطت عملتها بالدولار المطبوع من العدم
• الموظف الصغير في شركة تقوم قيمتها على توقعات لم تتحقق بعد
الأثرياء يلعبون بأرقام والفقراء يدفعون بأرزاق.
هذا هو الظلم البنيوي المُختبئ خلف أرقام الشاشات.
خاتمة: سؤالٌ يُقلق
لو انقطعت الكهرباء عن خوادم وول ستريت أسبوعاً واحداً كم تريليوناً من "الثروة" ستختفي؟
الجواب المُربك: كلها تقريباً.
منسا موسى كان يملك ذهبه حتى في الظلام. ماسك لا يملك ثروته إلا بشرط بقاء الشاشة مضاءة، والإنترنت متصلاً، والمستثمرون مُصدِّقين، والنظام قائماً.
لم يملك إنسانٌ في التاريخ تريليوناً كهذا. وربما لم يملك أحدٌ لا شيئاً كهذا في آنٍ واحد.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!