تعيش المجتمعات الحديثة صراعاً أزلياً بين سرعة الإنجاز المادي (العمران) وبطء التحول القيمي (بناء الإنسان). وما شهدته مدرجات ملعب المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله مؤخراً من أحداث تخريب وشغب، ليس مجرد "سلوك معزول" لمجموعة من المتهورين، بل هو عَرَض لمرض أعمق يتعلق بمدى مواءمة الشخصية الاجتماعية مع متطلبات التحديث البنيوي.
تستثمر الدول ميزانيات ضخمة في البنى التحتية كجزء من القوة الناعمة وواجهة للرقي الحضاري. لكن حينما يسبق "الحجر" "البشر"، تنشأ حالة من الاغتراب بين المواطن والمنشأة. فالتخريب هو في جوهره فعل "انفصال"؛ حيث يرى المخرب في الكرسي أو السياج ملكية "للآخر" (الدولة أو المؤسسة) وليس جزءاً من هويته الشخصية.
النتيجة: يتحول العمران من وسيلة للرفاهية إلى "ضحية" للصراعات النفسية والاجتماعية التي لم تُحل داخل الفرد.
تحلل السوسيولوجيا (علم الاجتماع) الشغب في الملاعب بوصفه "تفريغاً" لضغوط خارجية (اقتصادية، اجتماعية، أو أسرية) في فضاء يمنح الفرد شعوراً بالذوبان في الجماعة. في ملعب مولاي عبد الله، لم يكن التخريب موجهاً للملعب بذاته، بل كان تعبيراً عن:
- غياب الردع القيمي: ضعف منظومة القيم التي تُقدس "المال العام".
- البحث عن إثبات الذات: محاولة الفرد "المهمش" ترك أثر (حتى لو كان تخريبياً) في فضاء عام لا يشعر فيه بالانتماء.
ان بناء الإنسان عملية تراكمية تبدأ من الأسرة، المدرسة، والإعلام، وتهدف إلى خلق فرد منضبط ذاتياً. التربية هنا هي "القوة الناعمة" التي تحصن المنشآت قبل وقوع الشغب:
- التربية المواطنة: غرس ثقافة "الروح الرياضية" كمنهج حياة، وفهم أن المال العام هو مال خاص دُفع من ضرائب المواطنين.
- تأطير الروابط: العمل مع جمعيات المحبين وروابط "الإلتراس" لتحويل طاقة الشباب من "التفريغ العدواني" إلى "الإبداع الاحتفالي"، مع تحميل قيادات هذه الروابط مسؤولية أخلاقية تجاه سلوك أفرادها.
وإذا كانت التربية تبني الضمير، فإن الجانب الأمني يمثل "القوة الضابطة" التي تحمي المجتمع ممن لم تردعهم قيمهم. فالمقاربة الأمنية الحديثة ليست مجرد تدخل مادي، بل هي منظومة متكاملة:
- الصرامة والعدالة: إنفاذ القانون بصرامة ضد المخربين وتفعيل العقوبات (السجن، الغرامات، المنع من دخول الملاعب). إن شعور المخرب بأن العقوبة محققة لا محالة يشكل أكبر رادع.
- الأمن الذكي: استخدام التكنولوجيا (كاميرات المراقبة، التعرف على الوجوه) لتحديد الجناة بدقة، مما يحقق الردع دون الدخول في صدامات جماعية تزيد من حدة التوتر.
وللخروج من هذه الدوامة، يجب أن تنتقل الجهود من مجرد "الترميم المادي" للمنشآت إلى "الترميم النفسي والفكري" للشباب عبر معادلة تكاملية:
- يدٌ تربي: تستثمر في العقول وتغرس قيم الانتماء والتحضر.
- يدٌ تضبط: تحمي الممتلكات وتفرض سلطة القانون بحزم.
إن الدولة التي تبني ملاعب عالمية ولكنها تفشل في تربية "جمهور عالمي" تظل في مهب الريح.
التحدي الحقيقي الذي كشفت عنه أحداث "مولاي عبد الله" هو أننا بحاجة إلى استراتيجية وطنية تجعل من "صناعة الإنسان" أولوية تفوق "صناعة الجدران".
فالحجر يُبنى في أشهر، لكن بناء القيم يتطلب أجيالاً من الصبر والاستثمار الذكي.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!