حين يصبح الزبون متسوّلاً في بلده: فاتورة تُؤدّى في وقتها… وخدمة تنتظرها بالأسابيع
في المغرب، صار امتلاك اشتراك في الأنترنت أشبه بعقد إذعان من طرف واحد: أنت تؤدّي، وهم يتفضّلون. أنت مُلزَم بأداء الفاتورة في يومها المحدّد وإلا قُطع عنك الخط في غمضة عين، أما هم فحين ينقطع الأنترنت — وينقطع كثيراً — فإنّ الجواب الجاهز، المُعلّب، المكرور، هو تلك العبارة السحرية التي أدمنتها أسماعنا: «كاين مشكل تقني… تسنّى». تسنّى يوماً، تسنّى أسبوعاً، تسنّى أسابيع. وفي الأثناء؟ العدّاد يدور، والفاتورة تُحتسب كاملة، وكأنّ الخدمة تشتغل بأتمّ حالاتها.
هذه ليست حادثة معزولة، وليست سوء حظّ زبون واحد. هذه سياسة. وأخصّ بالذكر هنا شركة أورنج المغرب، التي تحوّلت عند شريحة واسعة من مستعمليها إلى عنوانٍ للاستهتار: تقطعُ الخدمة دون سابق إنذار، وتُماطل في إصلاحها بلا حياء، وتتعامل مع الزبون المتضرّر وكأنّه هو المدين، هو الخطّاء، هو الذي جاء يطلب صدقة لا حقّاً اشتراه بماله.
«مصلحة الزبناء» التي تتصرّف وكأنك تشتغل عندها
ادخل إلى أيّ وكالة، أو اتّصل بأيّ رقم لخدمة الزبناء، وستعيش المشهد نفسه: نبرة متعالية، وعود فارغة، وإحالات من مصلحة إلى مصلحة، ورقم ملفّ «سيُعالج في أقرب الآجال» — وهي عبارة لا تعني في القاموس المغربي شيئاً. الموظّف الذي يُفترض أنّ راتبه يُدفع من جيبك أنت، من فاتورتك أنت، يُكلّمك وكأنّه يمنّ عليك، وكأنّه يقدّم لك خدمةً مجانيةً تستحقّ عليها الشكر والامتنان.
الزبون المغربي انقلبت عليه المعادلة: صار هو من يعتذر، هو من يُلحّ، هو من يتوسّل أن يُعاد له ما دفع ثمنه. وهذا هو جوهر الإهانة: أن تُقلَب العلاقة التجارية رأساً على عقب، فيصير البائع سيّداً والمشتري تابعاً.
الأرقام لا تكذب: نحن ندفع أغلى وننال أسوأ
قد يقول قائل: ربّما الخدمة مكلفة، وربّما الأثمنة مبرّرة. لنترك العواطف جانباً ولنحتكم إلى الأرقام الدولية الموثّقة.
بحسب تقرير We Are Social / Digital 2025، يُصنّف المغرب ضمن الدول الأغلى في العالم من حيث كلفة الأنترنت الثابت نسبةً إلى السرعة، بمعدّل يناهز 1.16 دولار لكلّ ميغابت في الثانية — أي في المرتبة الخامسة عالمياً بين أغلى الدول. قارِن هذا الرقم بغيره:
- المملكة المتحدة: حوالي 0.36 دولار للميغابت.
- كندا: حوالي 0.66 دولار.
- الولايات المتحدة: حوالي 0.08 دولار — أي أرخص منّا بأكثر من أربعة عشر مرّة.
- رومانيا: 0.01 دولار — نعم، سنت واحد.
بعبارة أوضح: المواطن الروماني يحصل على أنترنت أسرع وأنظف وأكثر استقراراً بجزءٍ يسيرٍ ممّا يدفعه المغربي مقابل خدمة تنقطع بلا موعد وتُصلَح بلا وعد. وحين نُدخل في المعادلة متوسّط الدخل — حيث فاتورة من 400 أو 500 درهم شهرياً تلتهم جزءاً محسوساً من دخل أسرة مغربية متوسّطة — تصير الفجوة فضيحةً كاملة الأركان.
الأدهى أنّ عروض الفيبر عندنا (تتراوح تقريباً بين 249 و649 درهماً حسب السرعة والمشغّل) تُسوّق بشعارات «الرائد العالمي» و«الجودة العالية»، بينما الواقع اليومي للزبون هو انقطاعٌ متكرّر، و«راوتر» يُومض باللون الأحمر، وخطّ ساخن بارد لا يردّ.
سرّ الأثمنة المرتفعة: سوقٌ بلا منافسة حقيقية
لماذا ندفع أكثر وننال أقلّ؟ الجواب الذي يجمع عليه المحلّلون بسيط ومُرّ: ضعف المنافسة. ثلاثة مشغّلين يتقاسمون السوق، وكلّما تحدّثنا عن «منافسة» بينهم اكتشفنا أنّها أقرب إلى تفاهمٍ ضمنيّ على مستوى الأثمنة وعلى مستوى الخدمة. حين لا يخاف المشغّل من هروب زبونه إلى منافسٍ أفضل، فلماذا يتعب نفسه في تحسين الخدمة أصلاً؟ الزبون محاصر، والبدائل شحيحة، والنتيجة أنّ رداءة الخدمة تتحوّل من عيبٍ عارض إلى نموذج اقتصاديّ مربح.
في الدول التي تُحترم فيها المنافسة — كأوروبا الشرقية أو جنوب شرق آسيا — تنخفض الأثمنة إلى قرب الصفر لأنّ المشغّل يعرف أنّ زبونه سيرحل عند أوّل انقطاع. أمّا عندنا، فالانقطاع «مشكل تقني»، والرحيل شبه مستحيل، والشكوى تذهب أدراج الرياح.
مطالب لا تقبل التأجيل
الزبون المغربي لا يطلب المستحيل، بل يطلب أبسط بديهيات العدل:
- لا فوترة على خدمة لم تُقدَّم. كلّ يوم انقطاع يجب أن يُخصَم آلياً من الفاتورة، لا أن يُدفع كاملاً.
- آجال إصلاح مُلزِمة ومكتوبة. «تسنّى» ليست جواباً؛ نريد سقفاً زمنياً واضحاً وتعويضاً عند تجاوزه.
- تفعيل حقيقي لدور الهيئة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT) لمراقبة جودة الخدمة والأثمنة، لا الاكتفاء بالحملات الموسمية.
- احترام الزبون بوصفه صاحب حقّ، لا متسوّلاً يُتفضّل عليه.
الأنترنت اليوم ليس ترفاً؛ إنّه أداة عمل ودراسة وتواصل ورزق. وحين يتحوّل إلى رهينةٍ بيد شركةٍ لا تحترم زبونها ولا تحترم فاتورته، فإنّ الصمت يصبح تواطؤاً. لقد أدّينا ما علينا مراراً وتكراراً؛ آن الأوان أن يؤدّوا هم ما عليهم: خدمةٌ تستحقّ ثمنها، ومعاملةٌ تليق بمن يدفع.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!