حين يُغتال الفجر بالبارود: أعراسٌ تحتفل بنفسها على جثة السكينة العامة

حين يُغتال الفجر بالبارود: أعراسٌ تحتفل بنفسها على جثة السكينة العامة

مدفعية الأفراح في مدينة نائمة
في السادسة صباحا، حين لا تزال المدينة تلملم أنفاسها بعد صلاة الفجر، وحين يحق للمرء أن يختطف ساعة نوم استعدادا ليومه، تنفجر السماء فوق أحياء مرشان وادرادب وعين الحياني وسيدي البخاري وسوق البقر بما يشبه القصف: فرقعات متتالية، وطلقات كأنها رصاص حي، لا لشيء إلا لأن أحدهم قرر أن يتزوج هذه الليلة، وقرر — وهذا هو الأخطر — أن يفرض على مدينة بأكملها أن تكون شاهدة على فرحه، شاءت أم أبت.
الله يكمّل بالخير، والله يدوّم الأفراح.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: “القرطاس علاش؟” ما علاقة الزواج بالبارود؟ وما ذنب مريضٍ يئنّ خلف نافذته، أو رضيعٍ انتُزع من نومه مذعورا، أو شيخٍ يرتجف قلبه مع كل انفجار، أو عاملٍ ينتظره يوم شاق لا يرحم؟
فرحٌ يتحول إلى عدوان
لنسمّ الأشياء بمسمياتها: ما يجري ليس احتفالا، بل اعتداء صريح على الحق في السكينة، وهو حق دستوري وقانوني وأخلاقي قبل كل شيء. الفرح الذي لا يكتمل إلا بإرعاب الآخرين ليس فرحا، بل استعراض قوة فجّ يقول لساكنة حي بأكمله: نحن هنا، ووجودكم تفصيل لا يعنينا.
وتتسع دائرة هذه السلوكيات المصاحبة للأعراس لتشمل ما هو أبعد من البارود: السهرات التي تمتد في القاعات إلى ما بعد منتصف الليل، الخرجات الصاخبة “د التشحاتشح” بمواكب السيارات التي تسد الشوارع وتعربد بالمنبهات، والحراقيات “د الفحافح” التي تُطلق في الأسحار وبُعيد صلاة الصبح، وكأن الليل لم يعد ملكا للنائمين، بل غنيمة لمن يملك مكبر صوت وعلبة مفرقعات.
أين الدولة؟ سؤال لا مفر منه
وهنا يُطرح السؤال المحرج: أين الدولة التي تمنع ما هو أهون من هذا بكثير؟ الدولة التي تكون بالمرصاد — في بعض الأحيان — لكل ما من شأنه أن “يثير فوضى” أو “يعرقل السير” أو “يخلق ارتباكا بشكل من الأشكال”، كيف تغضّ الطرف عن مدفعية ليلية تقصف أحياء بكاملها أسبوعا بعد أسبوع؟
إن انتقائية التدخل هذه تبعث برسالة خطيرة مفادها أن القانون يُستنفَر حين يتعلق الأمر بأشياء بعينها، ويغطّ في نوم عميق حين يتعلق الأمر براحة المواطن البسيط في بيته. والحال أن بيع المفرقعات نفسه يخضع للمنع والتقنين، فمن أين تتدفق هذه الكميات؟ ومن يحاسب مطلقيها؟ أم أن الفوضى، ما دامت مغلفة بورق الأفراح، تصبح مباحة؟
نحتاج سِلما اجتماعيا يبدأ من احترام الجار
المسألة، في عمقها، ليست مسألة أمنية فحسب، بل مسألة حضارية وأخلاقية. نحتاج سِلما اجتماعيا يبدأ باحترام بعضنا البعض، يبدأ من البديهية الأولى: حريتي في الفرح تنتهي حيث يبدأ حق جاري في النوم. والإسلام الذي نتباهى بأعراسه “على السنة” هو نفسه الذي جعل إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان، وحذّر من إيذاء الجار أشد التحذير. فأي سنة هذه التي تبدأ بترويع الآمنين بُعيد صلاة الفجر؟
المطلوب واضح ولا يحتاج اجتهادا كبيرا: تفعيل صارم للقوانين المنظمة للضجيج ولبيع المفرقعات واستعمالها، تحديد سقف زمني ملزم لقاعات الأفراح، محاسبة مواكب السيارات المعربدة، وحملات تحسيسية تعيد الاعتبار لثقافة الاحترام المتبادل التي كانت يوما عنوان مدننا العريقة.
خاتمة
كيف يبدأ الأسبوع؟ وبأية طاقة؟ حين يُسرق منك نومك باسم فرح لا ناقة لك فيه ولا جمل.. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إن مدينة تحترم نفسها هي التي تحرس نوم أبنائها كما تحرس أفراحهم، وتدرك أن الفرح الحقيقي لا يحتاج بارودا ليُسمع، بل قلوبا لا تؤذي أحدا لكي تُحَبّ. فليهنأ العرسان، وليناموا هانئين.. لكن فلتنم المدينة أيضا.

طنجة الأخبار
بقلم:

طنجة الأخبار

طنجة الأخبار جريدة إلكترونية مغربية و موقع إخباري شامل ومستقل، تعرفوا على آخر الأخبار من المغرب والعالم عبر موقعنا

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك