في كل خمس سنوات تُصاب مدينتنا بالظاهرة نفسها: وجوهٌ اختفت طويلاً تعود فجأة إلى الساحة، تبتسم في الصور، وتوزّع الوعود على نواصي الأحياء كما تُوزَّع المناشير. خمس سنوات من الغياب التام، ثم يحلّ موسم الانتخابات فيُبعَث «المرشحون» من سباتهم، وكأن المدينة لم تكن تنتظر منهم شيئاً طوال الولاية، وكأن همومها لا تصير قضيتهم الأولى إلا عشية الاقتراع.
الغياب الذي لا يُغتفر
لم يكن هؤلاء غائبين عن اجتماعٍ أو جلسة؛ كانوا غائبين عن المدينة كلها. فليخبرنا أحدهم بملفٍّ واحدٍ من ملفات طنجة العالقة دافع عنه تحت قبة البرلمان طوال خمس سنوات: قضايا التعمير، والتشغيل، والبنية التحتية، وتداعيات إغلاق معبر سبتة على أبناء المنطقة… أين كانت أصواتهم حين كانت المدينة تحتاج من ينطق باسمها؟ الصمت وحده كان جوابهم، واليوم يعودون ليطلبوا التفويض من جديد.
المرشح الذي نسي برنامجه
استضاف أحد البرامج المحلية أحد النواب، فسأله الصحفي سؤالاً بسيطاً: ما أبرز نقاط برنامج حزبكم؟ فتلعثم، وتعثّر لسانه، وراح يملأ الفراغ بما ليس من البرنامج في شيء، يستعيد اسم جلالة الملك في كل دقيقة كلما ضاقت به الحيلة. والحقّ أن استحضار المؤسسة الملكية في غير موضعها ليس دليل وطنية، بل قناعٌ يستر خواء الجَعبة. من لا يملك برنامجاً يحتمي بالرموز، ومن لا يملك فكرة يستنجد بالشعارات.
المفاخرة الكاذبة
ويطلّ آخر ليقول إنه فخورٌ لأن حزبه لم يختر «مول الشكارة». كلامٌ جميل لو صدَق. لكن أهل المدينة يعرفون الخلفيات، ويقرأون ما بين السطور، ويميّزون بين من يترفّع عن المال حقاً ومن يتزيّن بشعار النزاهة وهو منه بريء. فإما أنه يكذب على الناس، وإما أنه يكذب على نفسه، وكلاهما في ميزان السياسة سواء.
الدمية الناطقة
وثالثٌ لا يقول إلا ما يُملى عليه؛ تُكتب له الكلمات في الكواليس فيردّدها على المنابر بلا موقفٍ ولا اجتهاد. رجلٌ بلا صوتٍ خاص، صدىً لمن يحرّكه. فأيّ نائبٍ يُرتجى ممن لا يملك أن ينطق باسمه هو؟
الشيخ الغائب
أما «شيخهم» الذي علّمهم أبجدية السياسة، ومنه تعلّموا فنون الوصول، فهو الغائب الأكبر: خمس سنواتٍ وهو غائب، وها هو اليوم لا يزال غائباً. تلاميذُ بلا أستاذ، ومدرسةٌ أُغلقت أبوابها منذ زمن، ثم يُراد منّا أن نصدّق أنهم قادرون على قيادة مدينةٍ بحجم طنجة.
القوة القادرة
وسط هذا المشهد، ثمّة قوةٌ سياسيةٌ واحدةٌ تملك — دون غيرها — القدرة على تعبئة الناس وجمعهم حول مشروع. ولو نزل الجميع إلى الساحة بنزاهةٍ، وجهاً لوجه، بلا مالٍ يُشترى به الضمير ولا وعودٍ تُقايَض بها الأصوات، لما بقي من منافسيها أحد. المعادلة بسيطة: حين تُرفع أدوات الفساد عن الطاولة، لا يصمد إلا من يملك مشروعاً حقيقياً.
كلمة أخيرة
المشهد السياسي في طنجة اليوم يشوبه التخريط والكذب، والأحزاب التي دبّرت شأن المدينة طوال الولاية لم تقدّم لها ما يُذكر. ومن حقّ الطنجاويين أن يسألوا: ماذا فعلتم بنا في خمس سنوات؟ وإن كان الجواب صمتاً — كما هو الحال — فالأجدر بهذه الأحزاب أن تتنحّى، وأن تُفسح الطريق لمن يضع المدينة قبل الكرسي، والمواطن قبل الشكارة.
طنجة تستحقّ أفضل من مرشحي الموسم.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!