راتبك بميزان الذهب

راتبك بميزان الذهب

راتبك لم يرتفع… الدرهم هو الذي انكمش
لماذا لا تصح مقارنة أجور اليوم بأجور قبل عشرين سنة إلا بميزان الذهب؟

كثيرا ما نسمع من يقول: "في 2006 كان الحد الأدنى للأجر أقل من 2,000 درهم، واليوم تجاوز 3,400 درهم، إذن تحسنت الأجور بشكل كبير". تبدو المقارنة منطقية للوهلة الأولى، لكنها تخفي خطأ جوهريا: نحن نقارن رقمين مكتوبين بوحدة قياس تتغير قيمتها باستمرار. الدرهم في 2006 ليس هو الدرهم في 2026، تماما كما لا يصح أن نقيس طول طاولة بمسطرة تتقلص كل سنة ثم نتفاجأ بأن الطاولة "كبرت".

المال وحدة قياس متآكلة

النقود الورقية الحديثة لا تستمد قيمتها من معدن نفيس يقف خلفها، بل من الثقة ومن السياسات النقدية. ومع كل توسع في الكتلة النقدية، وكل موجة تضخم، وكل ارتفاع في أسعار الطاقة والغذاء المستوردة، تفقد العملة جزءا من قدرتها الشرائية. لذلك فإن السؤال الصحيح ليس "كم درهما كنت تتقاضى؟"، بل "ماذا كان يشتري لك ذلك الدرهم؟".

وهنا يبرز الذهب كمعيار مرجعي. فالذهب لا تطبعه البنوك المركزية، وكميته في العالم تزداد ببطء شديد، وظل عبر آلاف السنين مخزنا للقيمة تعود إليه الشعوب والدول كلما اهتزت الثقة في العملات.

لغة الأرقام: الحد الأدنى للأجر بالغرام

لنأخذ الحد الأدنى للأجور في القطاع غير الفلاحي مثالا:

في سنة 2006، كان الأجر الأدنى في حدود 9.66 درهم للساعة، أي نحو 1,845 درهما شهريا على أساس 191 ساعة. وكان غرام الذهب الخالص يساوي آنذاك حوالي 171 درهما. معنى ذلك أن الأجر الشهري الأدنى كان يشتري قرابة 10.8 غرامات من الذهب.

أما في 2026، فقد بلغ الأجر الأدنى 17.92 درهما للساعة، أي حوالي 3,423 درهما شهريا. في المقابل، يدور سعر غرام الذهب الخالص في السوق المغربية حول 1,280 درهما. والنتيجة: الأجر الأدنى اليوم يشتري نحو 2.7 غرام فقط.

بلغة الأرقام الاسمية، ارتفع الأجر بنحو 85 في المائة. لكن بلغة الذهب، فقد العامل قرابة ثلاثة أرباع قدرته على الادخار في أصل حقيقي.

مثال من الحياة اليومية

موظف كان يتقاضى 6,000 درهم سنة 2006، كان راتبه يعادل حوالي 35 غراما من الذهب. ولكي يحافظ اليوم على القيمة نفسها بميزان الذهب، يجب أن يتقاضى قرابة 45,000 درهم شهريا. هذا الفارق يفسر لماذا يشعر كثيرون بأن رواتبهم "ارتفعت" على الورق، بينما ابتعدت عنهم أحلام السكن والادخار وتأمين المستقبل.

لماذا يهمنا هذا؟

لأن المقارنة الاسمية تمنح انطباعا زائفا بالتقدم، وتغذي خطابا يطالب الأجير بالرضا لأن راتبه "تضاعف". بينما الحقيقة أن جزءا كبيرا من هذه الزيادات لم يكن سوى تعويض جزئي عن تآكل قيمة العملة. ثم إن الذهب يكشف ما لا يكشفه مؤشر الأسعار الرسمي: قدرة الفرد على تكوين ثروة حقيقية، لا مجرد تغطية مصاريف الشهر.

ملاحظة لا بد منها

يعترض بعض الاقتصاديين بأن الذهب ليس مقياسا محايدا تماما، لأن سعره يتأثر أيضا بالمضاربة وبإقبال البنوك المركزية عليه وبالأزمات الجيوسياسية، وأن قياس القدرة الشرائية بسلة الاستهلاك اليومي (الخبز، الكراء، النقل) يعطي صورة أقل قتامة. وهذا صحيح جزئيا. لكن حتى مع هذا التحفظ، يبقى الذهب مرآة صادقة لسؤال جوهري: هل يستطيع راتبك اليوم أن يبني لك ما كان يبنيه راتب والدك؟ والجواب، للأسف، واضح.

خلاصة

قبل أن نحكم على تطور الأجور، علينا أن نغير المسطرة. فالراتب الحقيقي ليس الرقم المكتوب في كشف الأجرة، بل ما يستطيع ذلك الرقم أن يشتريه. وبميزان الذهب، يبدو أن المغاربة، كغيرهم من شعوب العالم، يركضون كل سنة أسرع… فقط ليبقوا في المكان نفسه، أو ليتراجعوا قليلا.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك