سبعٌ وعشرون سنةً من الرؤية
حين يسبق العرشُ خطى الحكومة
يحتفل المغرب هذا الخميس 30 يوليوز 2026 بالذكرى السابعة والعشرين لتربّع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين. وليست هذه الذكرى مجرد محطة بروتوكولية في الرزنامة الوطنية، بل لحظةٌ للتأمل في مسارٍ أعاد رسم ملامح المملكة، ونقلها من دولةٍ تبحث عن موقعها إلى قوةٍ صاعدة يُحسب لها حسابها في محيطها الإفريقي والأورومتوسطي.

ربع قرنٍ من الأوراش الكبرى
من يقرأ حصيلة سبعٍ وعشرين سنة بعينٍ منصفة يجد أن المشترك بينها هو النَّفَس الطويل والرؤية الاستراتيجية التي لا ترتهن لزمنٍ حكوميٍّ عابر. فقد تحوّلت البنية التحتية الوطنية من نقطة ضعف إلى ورقة قوة: شبكة طرق سيّارة تربط أقاليم المملكة، وميناء طنجة المتوسطي الذي فرض نفسه بوابةً لوجستية بين ضفّتي الأطلسي والمتوسط، وقطار «البُراق» فائق السرعة الذي وضع المغرب في مصافّ الدول القليلة القادرة على مثل هذه المنجزات.
وعلى المستوى الاقتصادي، رسّخت المملكة مكانتها قطبًا للاستثمار الصناعي، بعدما غدت قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، جالبةً للاستثمار الأجنبي وخالقةً للثروة وفرص الشغل. وقد سجّل الاقتصاد نموًّا ناهز 4.9 في المائة سنة 2025، مع توقعات ببلوغ المعدل نفسه أو تجاوزه في 2026، في سياقٍ دوليٍّ مضطرب لم تسلم منه اقتصادات أكبر.
أما دبلوماسيًّا، فالحصيلة أبلغ من كل تعليق: عودة المغرب إلى بيته الإفريقي، وتنامي الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء وبمبادرة الحكم الذاتي بوصفها الحل الأكثر واقعية وجدّية، فضلًا عن مبادرات ذات بُعد قاري كالمبادرة الأطلسية لدول الساحل. وفي الشأن الأمني والعسكري، بات المغرب شريكًا موثوقًا في حفظ السلم والأمن الدوليين، بعضويته في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي وشراكاته الاستراتيجية الممتدة.

ملكيةٌ مواطِنة
ما يميّز هذه المسيرة ليس الأرقام وحدها، بل فلسفةٌ في الحكم تضع المواطن في صلب العملية التنموية. فمن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى ورش تعميم الحماية الاجتماعية، ومن التدخل السريع في مواجهة زلزال الحوز سنة 2023 إلى دعم الأسر خلال جائحة كوفيد، ومن التدبير الاستباقي للفيضانات إلى إصلاح مدوّنة الأسرة، تتبدّى ملامح «ملكيةٍ مواطِنة» تنصت لنبض المجتمع وتستبق حاجاته.
إنها حكمةٌ في القيادة تجمع بين طول النَّفَس وبُعد النظر: خطاباتٌ ملكية تُقرأ كخرائط طريق لا كمناسبات عابرة، ورؤيةٌ تربط النمو الاقتصادي بتحسين جودة الحياة، وتُصرّ على أن المؤشرات الماكرو-اقتصادية تظل ناقصةً ما لم تنعكس على الواقع الاجتماعي للمواطن في كل جهات المملكة، دون تمييز أو إقصاء. هذا هو جوهر خطاب العرش لهذا العام: تثمينٌ لما تحقق، واستشرافٌ لمرحلةٍ جديدة عنوانها السيادة الاقتصادية والعدالة المجالية والثقة في المستقبل.

لكنّ الرؤية شيءٌ والتنزيل شيءٌ آخر
وهنا يكمن مربط الفرس. فحين نضع الرؤية الملكية في كفّة، والأداء الحكومي في كفّةٍ أخرى، يظهر اختلالٌ في الميزان لا يمكن للمتابع النزيه أن يتجاهله. لقد ظلّ المشروع الملكي، في كثير من محطاته، يتقدّم على إيقاع الحكومات المتعاقبة، بل يُنتظر منها أن تُترجمه إلى واقعٍ ملموس، فإذا بالتنزيل يأتي بطيئًا مترددًا، يُفرّغ أحيانًا الأوراش الكبرى من روحها.
وليس هذا التشخيص وليدَ رأيٍ صحفيٍّ معزول، بل سبق لجلالة الملك نفسه أن جهر به في خطاب العرش سنة 2017، حين وجّه سهام نقده إلى الطبقة السياسية بعباراتٍ لا تحتمل التأويل، قائلًا:
«وإذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟»
كلماتٌ ما زالت راهنيّتها قائمة بعد تسع سنوات، تُذكّر بأن الخلل ليس في القمة التي ترسم وتوجّه وتحاسب، بل في حلقةٍ وسطى تعثّرت في تحويل الإرادة الملكية إلى إنجازٍ يلمسه المواطن. وحين يصدر النقد من أعلى هرم الدولة، يغدو لزامًا على الجهاز التنفيذي أن يقرأه لا كعتابٍ عابر، بل كإنذارٍ بضرورة تصحيح المسار.
فالحماية الاجتماعية التي أطلقها العرش ورشًا تاريخيًّا ما زال المواطن يشتكي من تعثّر خدماتها وجودة عرضها الصحي. والقدرة الشرائية التي يُفترض أن يشعر بها المغاربة في جيوبهم تظل مضغوطةً تحت وطأة الأسعار، فيما تبقى الأرقام الوطنية للنمو بعيدةً عن مائدة الأسرة المتوسطة. والتعليم، ركيزة أي تنمية، يراوح مكانه رغم الرؤى الإصلاحية الطموحة. إن الفجوة بين ما يُرسم في القمة وما يُنجَز في الميدان ليست تفصيلًا عابرًا، بل هي العقدة التي تُبطئ صعود المغرب الذي يريده جلالة الملك.
ليس المطلوب من الحكومة أن تكون في مستوى الطموح الملكي فحسب، بل أن تكون في مستوى انتظارات المواطن الذي سئم من تحويل المنجزات إلى شعارات، ومن تصريف المسؤولية نحو الظروف والطوارئ. فالعدالة الاجتماعية والمجالية التي جدّد الملك الرهان عليها لا تتحقق بالبلاغات، بل بحكامةٍ ميدانية تسرّع إنجاز المشاريع الترابية، وتقلّص الفوارق، وتُحسّن الخدمة العمومية.

خلاصة
سبعٌ وعشرون سنةً أثبتت أن المغرب يملك رؤيةً وقيادةً وحكمة. والاختبار الحقيقي المقبل، مع اقتراب استحقاقٍ انتخابيٍّ يُنتظر أن يفرز حكومةً جديدة، هو ألّا تبقى هذه الرؤية أسيرة بطء التنفيذ. فالعرش أدّى ما عليه ويزيد؛ والمطلوب اليوم جهازٌ تنفيذيٌّ يواكب الطموح لا يقلّص أثره، ويحوّل ثمار النمو إلى واقعٍ يلمسه المواطن في حياته اليومية. حينها فقط يكتمل معنى الاحتفال.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!