صناعة الطفل الكبير: كيف نُنتج جيلاً عاجزاً عن الزواج والإنجاب

صناعة الطفل الكبير: كيف نُنتج جيلاً عاجزاً عن الزواج والإنجاب

شاب مغربي في الثامنة والعشرين من عمره، يحمل شهادة جامعية ووظيفة قارة، ومع ذلك لا تزال والدته تُحضّر له فراشه، ولا يزال أبوه يقرر له نوع السيارة التي "تليق به"، ولا تزال العائلة بأكملها تتدخل في تحديد من تصلح أن تكون زوجته. هذا الشاب ليس استثناءً شاذاً، بل هو العيّنة الأكثر تمثيلاً لجيل كامل يكبر جسدياً دون أن يُسمح له بأن يكبر اجتماعياً ونفسياً. وبينما نتغنّى بأنه "لا يزال صغيراً في قلوبنا"، تكشف أرقام الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 حقيقة أكثر قسوة: معدل الخصوبة في المغرب انخفض إلى 1.97 طفل لكل امرأة، أي أقل من عتبة "تعويض الأجيال" المقدّرة بـ2.1 طفل، بعبارة أوضح: نحن كمجتمع، لم نعد نُنتج عدداً كافياً من الأبناء لنعوّض حتى آباءهم وأمهاتهم إذا رحلوا، فكيف بمن يُعوّض جيلاً كاملاً يشيخ بسرعة غير مسبوقة؟

هذه ليست مصادفة إحصائية عابرة، بل نتيجة منطقية لمعادلة طويلة الأمد: جيل أمددنا طفولته عمداً، وفككنا شبكة الدعم الأسري التي كانت تُسهّل عليه الاستقلال، وزرعنا فيه فقداناً متراكماً للثقة، ثم تركناه لشاشة هاتفه يصنع له معايير زواج لا علاقة لها بواقعه، أربعة خيوط متشابكة، وحبل واحد يخنق المستقبل الديمغرافي للمملكة.

ثمانية سنوات أُضيفت إلى العمر قبل أن "يُسمح" لنا بالكبر

عند الاستقلال، كانت المرأة المغربية تتزوج في المتوسط في سن السابعة عشرة، والرجل في سن الرابعة والعشرين. اليوم، تجاوز متوسط سن الزواج الأول 33 سنة عند الرجال، وقارب 26 سنة عند النساء، وفق "البحث الوطني حول العائلة" الأخير، الأخطر من الرقم نفسه هو ما رصدته المندوبية السامية للتخطيط: التأخر في الزواج أكبر في الوسط الحضري مقارنة بالقروي، وأكبر داخل الأسر النووية مقارنة بالأسر الممتدة، هذه الملاحظة الأخيرة ليست تفصيلاً إحصائياً هامشياً، بل مفتاح فهم كامل لما يجري: حين تتفكك شبكة الدعم العائلي الكبيرة، يرتفع سقف الشروط التي يجب أن يحققها الشاب بمفرده قبل أن "يُسمح" له بالزواج.

منهج النبي ﷺ: الثقة أداة تربية، لا مجرد شعار

في السيرة النبوية ما يكفي لإحراج ثقافتنا المعاصرة في التربية. عيّن النبي ﷺ أسامة بن زيد قائداً على جيش فيه كبار الصحابة وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، فلما تردد بعض الناس في قيادته لحداثة سنه، أصرّ النبي ﷺ على قراره، مكرّساً مبدأً تربوياً عميقاً: الكفاءة لا تُقاس بعدد السنوات، والثقة تُمنح لتُصنع بها المسؤولية، لا تُحجب انتظاراً لنضج لن يأتي إلا بالتجربة. وفي السياق نفسه، حثّ النبي ﷺ الشباب القادر على الزواج المبكر صريحاً، باعتباره مساراً طبيعياً للنضج لا استثناءً يحتاج إلى "جاهزية" مثالية لن تتحقق أبداً.

المفارقة أن مجتمعنا اليوم يفعل العكس تماماً: نمنح شاباً في الثلاثين راتباً ووظيفة وهاتفاً ذكياً، لكننا نحجب عنه حق اتخاذ قراره الخاص في الزواج أو السكن أو حتى اختيار وجهة سفره. نكلّفه شرعاً وقانوناً، لكننا لا نكلّفه اجتماعياً.

الأمانة في الطرقات: حين نفقد الثقة في الطريق فنفقدها في من يسير عليه

من المرويات المعروفة في السيرة أن النبي ﷺ بشّر عدي بن حاتم بزمن تسير فيه المرأة وحدها من العراق إلى مكة لأداء الحج دون أن تخشى إلا الله، وقد تحقق ذلك الوعد في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استقرت العدالة وعمّت الأمانة في الطرقات. هذه الصورة، على رمزيتها الدينية، تصلح استعارة دقيقة لما فقدناه اليوم: ليس فقط أمن الطرقات الفعلي، بل الثقة بين الأجيال نفسها. الأب الذي يتتبع موقع ابنه البالغ على الهاتف، والأم التي تتدخل في كل تفصيل من حياة ابنتها الموظفة، لا يفعلان ذلك خوفاً من "الطريق" بمعناه الحرفي فقط، بل لأنهما لم يعودا يثقان بأن "الطريق" -بمعناه الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي- أصبح أهلاً لأن يُترك فيه الأبناء بمفردهم. فقدان الثقة في المجتمع الأوسع تحوّل إلى فقدان ثقة في الأبناء أنفسهم، فاستبدلنا التأهيل التدريجي للمسؤولية بحراسة دائمة لا تنتهي إلا بالزواج، وأحياناً لا تنتهي حتى بعده.

من البيت الكبير إلى الشقة الصغيرة: كيف رفعت الأسرة النووية سقف الزواج

كان السكن في بيت الأبوين بعد الزواج، أو حتى الإقامة المؤقتة فيه، أمراً عادياً لا يُنظر إليه كفشل أو تأخر في الاستقلال، بل كجزء من نظام أسري متكامل يوزّع الأدوار: الجدة تشارك في تربية الأحفاد، العمّ يُسهّل عمل ابن أخيه، الأسرة الكبيرة تتكفّل جماعياً بتكاليف لم يكن الزوجان الشابان مضطرين لتحمّلها بمفردهما. لاحظ عالم الاجتماع المغربي عبد الله حمودي في كتاباته عن السلطة والهرمية داخل الأسرة المغربية كيف كانت هذه البنية الجماعية تُعيد توزيع الموارد والمسؤولية بين أفراد العائلة الممتدة. وقبله بقرون، ربط ابن خلدون قوة الكيان الاجتماعي بما سمّاه "العصبية"، أي تلك الروابط القرابية التي تشدّ الأسرة الكبيرة بعضها إلى بعض وتوفر لها شبكة حماية متبادلة.

اليوم، تحوّل السكن المستقل، والوظيفة المستقرة، والادخار الكافي، إلى شروط مسبقة لا غنى عنها قبل التفكير في الزواج، لأن الأسرة النووية المعزولة لا تملك شبكة الدعم التي كانت تُخفف هذا العبء. النتيجة المباشرة هي ما رصدته الأرقام: الزواج يتأخر أكثر تحديداً في البيئة التي يُفترض أنها الأكثر "تحضّراً" والأقل التزاماً بنموذج الأسرة الممتدة.

حين تصبح الشاشة معيار الجاهزية للزواج

أضيفت إلى هذا المشهد طبقة جديدة من التعقيد لم تكن قائمة منذ عشرين سنة فقط: خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي التي تعرض حفلات زفاف بمواصفات سينمائية، وأنماط حياة زوجية منتقاة بعناية لا تشبه الواقع اليومي لأي أسرة عادية. صار الشاب يقيس جاهزيته للزواج بمقارنة وضعه المادي بصور لا تمثل إلا قمة جبل الجليد الترفيهي لحياة الآخرين، وصارت الفتاة تبني توقعاتها عن الشريك "المثالي" استناداً إلى محتوى مصمم خصيصاً لاستدراج الانطباع لا لعكس الحقيقة. هذه المقارنة المستمرة لا ترفع سقف المتطلبات المادية فقط، بل تُغذّي شعوراً دائماً بعدم الجاهزية، فيتحول انتظار "اللحظة المثالية" إلى تأجيل دائم لا ينتهي. والمفارقة أن من يقع في هذا الفخ بسهولة أكبر هم بالضبط أولئك الذين لم يُمنحوا فرصة تكوين معايير واقعية عن الحياة لأنهم تربّوا في ظل وصاية دائمة لم تترك لهم مجالاً لتجربة الواقع بأنفسهم.

حلقة مغلقة تخنق المستقبل

النتيجة النهائية لهذه الخيوط الأربعة المتشابكة -الطفولة الممدودة، وغياب نموذج الثقة النبوي، وتفكك الأسرة الممتدة، وتضخيم الشاشة لمعايير الزواج- ليست مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل أزمة بنيوية ستُعيد تشكيل ملامح المغرب بالكامل: نسبة من هم دون الخامسة عشرة تتراجع من 26.5% سنة 2024 إلى ما يقارب 19% سنة 2040، بينما تتسارع شيخوخة السكان من حوالي 14% إلى ما يقارب 20% في الفترة نفسها. ارتفاع متوسط العمر المتوقع من 47 سنة عند الاستقلال إلى أكثر من 76 سنة اليوم إنجاز صحي حقيقي يستحق الاحتفاء، لكنه يكشف بالمقابل هشاشة الطرف الآخر من المعادلة: مجتمع يعيش أطول لكنه يُنتج أقل.

المخرج من هذه الحلقة ليس استعادة رومانسية للماضي بكل تفاصيله، بل استعادة مبدأ واحد كان جوهر المنهج النبوي في التربية: أن تُمنح الثقة لتُصنع بها المسؤولية، لا أن تُحتجز انتظاراً لنضج لن يتحقق أبداً في غياب التجربة. وأن تُعاد بعض خيوط الشبكة الأسرية الكبيرة التي كانت تُخفف عبء الاستقلال الكامل عن كاهل الزوجين الشابين بمفردهما. وأن نُعلّم أبناءنا أن يقرأوا الشاشة بوصفها واجهة مصمَّمة، لا مرآة للحياة الحقيقية. وإلى أن يحدث ذلك، سنظل ننتج أطفالاً كباراً في أجساد بالغة، ونتساءل في كل إحصاء جديد لماذا لا يكفي عددنا حتى لتعويض من يرحلون.

رضا الحكيم الشعيري

دين وحياة – طنجة الأخبار

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك