صناعة العطف في المغرب.. حين يصبح الفقر مهنةً والشفقةُ رأسمالاً

صناعة العطف في المغرب.. حين يصبح الفقر مهنةً والشفقةُ رأسمالاً

لا يتطلب الأمر سفراً طويلاً لرصد المشهد؛ إذ يكفي أن تقف عند أي إشارة ضوئية في الدار البيضاء، مراكش، أو طنجة، أو أن تفتح هاتفك لتطالع منشوراً "فيسبوكياً" يحمل صورة طفل مريض ورقم حساب بنكي، أو حتى أن تجلس في مقهى بوسط المدينة ليتحلق حولك عدة متسولين في ساعة واحدة.

إن التسوّل في المغرب لم يعد مجرد عوز فردي مرتبط بالفقر، بل اصبح صناعةً منظمة لها أدواتها، ومافياتها، وموسمها الرمضاني؛ وهو ما يفرض علينا قراءة الظاهرة بعين ناقدة ومتبصرة لا بقلب رحيم فحسب.

أولاً: أرقام صادمة تعكس الواقع

لفهم حجم الظاهرة، لا بد من لغة الأرقام. فوفق تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (مارس 2024) المعنون بـ "من أجل مجتمع متماسك خالٍ من التسول"، يُقدَّر عدد المتسولين في المغرب بنحو 200 ألف شخص. هذا الرقم يعني أن مدينةً كاملة بحجم "القنيطرة" تعيش على مدّ اليد.

أما الاتجاه الجنائي، فقد شهد قفزة مقلقة؛ حيث تضاعفت قضايا التسول أمام المحاكم من 4776 قضية سنة 2017 إلى 9294 قضية سنة 2018، واستقرت عند هذا المستوى المرتفع لاحقاً، باستثناء فترة الحجر الصحي. ورغم تسجيل 125 ألف قضية خلال عقدين (2002–2022) وفق المرصد الوطني للإجرام، إلا أن المقاربة الزجرية لم تُفلح؛ فمن يُعتقل اليوم يعود غداً إلى نفس الرصيف.

والأدهى أن الأطفال هم أكثر الضحايا في هذه المعادلة. وقد كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي أن 42.9% من الأطفال المتسولين يُمارسون التسول لمساعدة أسرهم، وهو رقم يبدو إنسانياً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يعني أن الأسرة ذاتها باتت جزءاً من المنظومة، إذ توظّف أبناءها أداةً لاستدرار العطف.

ثانياً: مافيا منظمة في ثوب الفقر

الخطأ الأكبر الذي يقع فيه المجتمع هو قراءة التسول كفقر فردي. الحقيقة أن جزءاً كبيراً منه صناعة ذات هيكل تنظيمي. يوجد في المغرب نوعان من التسول: تسوّل منظم تقوده شبكات تتربح من استغلال الضعفاء، وتسوّل عشوائي ناتج عن الهجرة من القرى والمدن الصغيرة. والخطير هو الأول، لأنه يخترق الثاني ويُوظّفه.

يرى المختصون النفسيون والاجتماعيون أن التسول بات بالنسبة للبعض خياراً عقلانياً، لكونه يُدرّ دخلاً يفوق ما توفره قطاعات العمل المهيكلة وغير المهيكلة، مما يستدعي التمييز الدقيق بين ضحايا الفقر البنيوي الحقيقيين ومحترفي التسول الذين يستغلون الشفقة الاجتماعية.

والدين هو الورقة الرابحة في هذه اللعبة أمام المساجد تتضاعف الأرقام، وفي رمضان تشتغل الشبكات بكامل طاقتها. يُضفي شهر رمضان شرعيةً أخلاقية على التسول، إذ يصبح تقديم المال وسيلةً للمتصدق لتخفيف شعور داخلي بالذنب، وهذا بالضبط ما تستغله الشبكات المنظمة: لا تبيع الفقر، بل تبيع راحة ضمير المتبرع.

ثالثاً: التسوّل الرقمي.. احتيال الجيل الجديد

ما كان يحدث على الأرصفة انتقل إلى الشاشات، وازداد خطورةً وذكاءً. باتت شبكات التسول الإلكتروني بوابةً جديدة للنصب والاحتيال في المغرب، وقد تطوّرت أساليبها من مجرد صور مؤثرة إلى تقنيات أكثر احترافاً. وصل الأمر إلى حدّ توظيف البث المباشر على إنستغرام لإحراج المارة وإجبارهم على الدفع، في مشهد يختلط فيه الابتزاز الناعم بالتسول المباشر.

رصدت تقارير متخصصة في المغرب أكثر من 6.4 مليون محاولة احتيال إلكتروني خلال سنة 2024، وإن كان جزء منها لا يرتبط بالتسول مباشرةً، فإن الأنماط المشتركة واضحة: استغلال الحاجة والعطف وشعر الديني بالواجب. يتميّز التسوّل الإلكتروني بأنه وسيلة آمنة للمتسول مجهول الهوية، مع استخدام الأسماء المستعارة والصور المزيفة وتقنيات تركيب الفيديوهات، مما يجعل ملاحقته أصعب وضحاياه أكثر.

رابعاً: فجوة مؤسساتية تحتاج احتواءً

المفارقة تكمن في أن الدولة تنفق المليارات على الحماية الاجتماعية بينما تتوسع الظاهرة، فلا يوجد سوى 15 مركزاً اجتماعياً لاستقبال المتسولين في كامل البلاد، وهو رقم هزيل جداً أمام 200 ألف متسول، هذه الهوّة تفسر نجاح الشبكات المنظمة وفشل المقاربات الرسمية.

توصّل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى محدودية المقاربة الزجرية في مواجهة ظاهرة التسول، مطالباً بإلغاء تجريم التسول الفردي والتركيز بدلاً من ذلك على معالجة أسبابه البنيوية وإعادة إدماج المعنيين. هذا التوصية صحيحة في شقّها الإنساني، لكنها لا تعالج الشق الجنائي المتعلق بالشبكات التي تستغل الأشخاص.

خاتمة: تصدّق بذكاء.. لا بعاطفة

المغرب يستعدّ لاستضافة كأس العالم 2030 أمام أنظار العالم. حتى وإن أُطلقت حملات في المدن الكبرى للقضاء على ظاهرة التسول خلال فترة كأس العالم، يبقى السؤال الجوهري: وماذا بعد؟ التسول الذي يُخفى للمناسبات الكبرى يعود بعدها أكثر تنظيماً.

الحل لا يبدأ من الشرطة ولا من التبرع العاطفي. بل يبدأ من أن نفهم أن الرحمة العمياء ليست فضيلةً حين تُموّل شبكةً تستعبد أطفالاً وتبتزّ نساءً.

تصدَّق، لكن من خلال جمعيات موثوقة، وقبل أن تضع ورقةً في يدٍ ممدودة، اسأل نفسك: هل تنقذ إنساناً، أم تدفع ضريبةً لمافيا تتاجر بالعطف؟

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك