صندوق المقاصة: إصلاح بلا بوصلة، وفاتورة يدفعها الأضعف

صندوق المقاصة: إصلاح بلا بوصلة، وفاتورة يدفعها الأضعف

ثمة مشهد يلخص أزمة السياسة الاجتماعية المغربية بأكثر مما تفعله آلاف الصفحات من التقارير الرسمية: قبل أيام، صوّت مجلس المستشارين برفض مقترحي قانون كانا يهدفان إلى تسقيف أسعار المحروقات وإعادة أصول مصفاة "سامير" إلى الدولة. النتيجة: 29 صوتاً ضد المقترحين، مقابل 10 أصوات مؤيدة، وامتناع واحد. الأغلبية الحكومية، إلى جانب الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، صوّتت ضد سقف الأسعار معتبرة أن تدبير القطاع ينبغي أن يتم في إطار آليات السوق والتوازنات الاقتصادية القائمة.

هذه الجملة الأخيرة تحديداً تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف فلسفة الدولة في التعامل مع كل ملفات الدعم: "اتركوا السوق يعمل، ثم عوّضوا الضعفاء بمنحة". المشكلة أن هذا المنطق يُطبَّق بانتقائية صارخة، وهنا يبدأ النقد الحقيقي.

مفارقة لا يمكن تجاوزها

في الوقت الذي ترفض فيه الدولة تسقيف أسعار المحروقات بدعوى "ترك السوق يعمل"، فهي نفسها تتدخل بشكل مباشر وواسع حين تتطلب الظروف ذلك. فقط هذا العام، اضطرت الحكومة إلى تخصيص 20 مليار درهم إضافية بشكل استعجالي لدعم صندوق المقاصة في مواجهة ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة عالمياً. أي أن الدولة تتدخل في السوق حين يخدم ذلك توازناتها الماكرو-اقتصادية، وتمتنع عن التدخل حين يكون المطلوب حماية مباشرة لجيب المستهلك. هذه ليست فلسفة اقتصادية ثابتة، بل انتقائية في اختيار من يُحمى ومتى.

والأخطر أن رفض تسقيف المحروقات يأتي تحديداً في سياق يتراجع فيه الدعم عن باقي المواد الأساسية: مشروع قانون المالية 2026 يكشف عن خفض الغلاف المالي المخصص لدعم السكر وغاز الطهي والدقيق إلى نحو 1.4 مليار دولار، مقابل 1.65 مليار سابقاً، مع تراجع دعم غاز الطهي بنسبة 17%. بعبارة أخرى: الدعم يتقلص في كل الجبهات تقريباً، لكن أي مقترح لضبط سعر المحروقات - وهي السلعة التي تنعكس كلفتها على كل شيء آخر من النقل إلى الإنتاج الفلاحي - يُقابَل بالرفض القاطع.

ملف "سامير": السيادة الطاقية المؤجلة

التصويت لم يكن يتعلق بسقف الأسعار فقط، بل تضمن أيضاً مقترحاً بإعادة أصول مصفاة "سامير" -المتوقفة عن الإنتاج منذ 2016 - إلى ملكية الدولة. رفض هذا المقترح أيضاً يعني أن المغرب يواصل استيراد كل حاجته من المشتقات النفطية المكررة، دون أي قدرة تكرير محلية، في وضع يجعله رهينة كاملة لتقلبات الأسواق الدولية وتسعير الموانئ الخارجية. هذا يربط مباشرة بما ناقشناه سابقاً حول الإنتاج المحلي بين طموح السيادة وتحدي التبعية: في قطاع الطاقة، التبعية ليست مجرد خيار اقتصادي، بل أصبحت سياسة ثابتة بقرار تشريعي صريح.

لماذا "الدعم المباشر" ليس حلاً سحرياً؟

الحجة الرسمية لتفكيك الدعم الشامل هي أن النظام القديم كان يفيد الأسر الميسورة أكثر من الفقيرة، والبديل هو التحويلات النقدية المباشرة عبر السجل الاجتماعي الموحد. هذه الحجة صحيحة جزئياً، لكنها تُستخدم لتبرير شيء آخر تماماً: التراجع التدريجي عن أي التزام بضبط الأسعار في السوق، حتى في القطاعات الإستراتيجية كالمحروقات حيث لا بديل أمام المستهلك ولا "اختيار سوقي" حقيقي يمكن أن يمارسه.

التحويل النقدي يفترض إدارة دقيقة وسريعة ومرنة. والواقع المغربي يكشف عيوباً بنيوية:

أولاً، فجوة التوثيق.نظام يعتمد على التصريح الذاتي بالدخل، في اقتصاد لا يزال جزء كبير منه غير مهيكل، يعني هامش خطأ واسعاً في تحديد من يستحق الدعم فعلاً.

ثانياً، جمود القيمة.الحد الأدنى للدعم المباشر مُحدد في 500 درهم شهرياً، لكنه غير مرتبط بأي آلية تلقائية لمراجعته حسب التضخم. إن لم تُراجَع هذه القيمة دورياً، فإنها تفقد قيمتها الشرائية الفعلية في غضون سنتين أو ثلاث، كما حدث في تجارب مشابهة بمصر والأردن حين أكل التضخم قيمة التحويلات النقدية بأسرع من قدرة الحكومات على تعديلها.

ثالثاً، غياب آلية الطوارئ. حين ترتفع أسعار المحروقات عالمياً بشكل حاد ومفاجئ، الدعم المباشر الثابت لا يستجيب بالسرعة الكافية، بخلاف سقف السعر الذي يحمي المستهلك لحظياً. وهذا تحديداً ما رفضه مجلس المستشارين: آلية الاستجابة السريعة، لصالح آلية بطيئة لا تتفاعل إلا بعد دورات ميزانياتية كاملة.

حلول قابلة للتطبيق، لا شعارات

النقد وحده لا يكفي. وفيما يلي مقترحات واقعية يمكن مناقشتها فعلياً ضمن النقاش العمومي:

1. سقف ديناميكي بدل سقف ثابت أو غياب كلي للسقف.بدل الاختيار الثنائي بين "ترك السوق" أو "تسقيف جامد"، يمكن اعتماد آلية "نطاق سعري متحرك" مرتبط بسعر برميل النفط العالمي: إذا تجاوز السعر عتبة معينة، يتدخل صندوق تثبيت مؤقت (لا صندوق دعم دائم) لتجميد الزيادة لمدة محدودة، على أن يُموَّل هذا الصندوق من ضريبة على الأرباح الاستثنائية لشركات التوزيع في فترات الانخفاض.

2. ربط الدعم المباشر بمؤشر الأسعار تلقائياً.أي تحويل نقدي يجب أن يُراجَع سنوياً بناءً على مؤشر الأسعار الاستهلاكية الرسمي، بنفس الطريقة التي تُراجَع بها الأجور أو المعاشات في بعض الأنظمة، لتفادي التآكل التدريجي لقيمته الشرائية.

3. تفعيل تدقيق ميداني عشوائي للسجل الاجتماعي الموحد.بدل الاعتماد الكلي على التصريح الذاتي، يمكن اعتماد عينات تدقيق ميداني دورية (10% من الملفات سنوياً مثلاً) لتصحيح الانحرافات في الاستهداف، مع نشر نتائج هذا التدقيق للعموم لتعزيز الثقة في النظام.

4. إعادة فتح ملف "سامير" بصيغة شراكة لا تأميم كامل. بما أن التأميم الكامل قوبل بالرفض، يمكن البحث عن صيغة وسطى: شراكة بين القطاع العام وفاعلين خاصين (محليين أو أجانب) لإعادة تشغيل قدرة تكرير جزئية، حتى لو كانت محدودة، لتقليص الاعتماد الكلي على الاستيراد المكرر وتخفيف الكلفة اللوجستية.

5. نشر تقرير سنوي مستقل عن أثر الدعم المباشر.يجب أن تُلزَم الدولة بنشر تقييم مستقل (عبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مثلاً) يقيس الأثر الفعلي للتحويلات النقدية على القدرة الشرائية، بمعطيات قابلة للمقارنة مع الفترة التي كان فيها الدعم غير مباشر، لا فقط بأرقام الميزانية المرصودة.

في الخلاصة

ما حدث في مجلس المستشارين ليس حادثاً عابراً، بل صورة مكثفة لمنطق صناعة القرار الاقتصادي في المغرب: تدخل انتقائي، يُبرَّر بـ"منطق السوق" حين يخدم التوازنات المالية للدولة، ويُستبدَل بالتدخل المباشر حين تتطلب الظروف ذلك. المستهلك العادي، في الحالتين، هو آخر من يُستشار وأول من يدفع الفاتورة.

الإصلاح الحقيقي لا يكون باستبدال شكل من الدعم بآخر أكثر "حداثة" تقنياً، بل بإصلاح فلسفة القرار نفسها: أن تكون حماية القدرة الشرائية التزاماً ثابتاً، لا قراراً يُحسم بموازين القوى السياسية داخل قاعة تصويت.

رؤية اقتصادية | رضا الحكيم الشعيري

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك