حين يصبح الشارع وطناً لطفولة لم تجد بيتاً يحميها
في شوارع المدن المغربية، صار مشهد الأطفال الذين يطلبون المال، يبيعون المناديل أو يقضون ساعات طويلة بعيداً عن المدرسة والأسرة، جزءاً من الحياة اليومية. خلف هذه الوجوه الصغيرة توجد طفولة يفترض أن تعيش في بيت آمن ومدرسة تحمي مستقبلها، لا على الرصيف.
ورغم غياب إحصاء وطني دقيق وحديث يحدد عدد الأطفال المتشردين، فإن المعطيات المتوفرة تكشف حجم الظاهرة. فقد استفاد مئات الأطفال في وضعية شارع من خدمات وحدات المساعدة الاجتماعية، بينهم فتيات، فيما تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن نحو 103 آلاف طفل بين 7 و17 سنة كانوا يشتغلون سنة 2025، أي 1.3 في المائة من أطفال هذه الفئة. وتشغيل الأطفال ليس مرادفاً للتشرد، لكنه أحد مؤشرات الهشاشة التي قد تدفع الطفل بعيداً عن المدرسة والحماية الأسرية.
وراء الوصول إلى الشارع أسباب متعددة: الفقر، التفكك الأسري، العنف، الإهمال، الانقطاع عن الدراسة، فقدان أحد الوالدين، وأحياناً الهروب من بيت لم يعد الطفل يشعر داخله بالأمان. لذلك، فالشارع غالباً ليس اختياراً حراً، بل نتيجة لسلسلة من الأزمات التي لم تجد تدخلاً في الوقت المناسب.
لكن الشارع لا ينهي الأزمة؛ بل يضاعفها. فالطفل يصبح أكثر عرضة للاستغلال والعنف والعمل المبكر والانقطاع النهائي عن الدراسة. أما الفتيات، فرغم أنهن أقل ظهوراً في بعض الإحصاءات، فإن وجودهن في الشارع يرتبط بمخاطر خاصة تجعل الحماية والمواكبة أكثر إلحاحاً.
ولهذا، فإن جمع الأطفال من الشوارع وإيواءهم مؤقتاً لا يكفي. المطلوب هو معالجة الأسباب: دعم الأسر الهشة، التدخل المبكر عند ظهور العنف أو الإهمال، منع الانقطاع عن الدراسة، توفير مواكبة نفسية واجتماعية، وإتاحة التكوين والإدماج المهني للشباب الذين يغادرون مؤسسات الحماية.
المعركة الحقيقية تبدأ قبل الرصيف، داخل الأسرة والمدرسة والحي. فكل طفل يمكن إنقاذه قبل أن يصل إلى الشارع هو فرصة لإنقاذ مستقبل كامل.
وفي النهاية، السؤال ليس فقط: كم طفلاً يعيش في الشارع؟ بل: كم طفلاً يمكن أن يصل إليه إذا لم نتدخل اليوم؟لأن حماية الطفولة لا تعني أن نبحث عن الطفل بعد أن يفقد بيته ومدرسته، بل أن نمنعه من فقدانهما أصلاً.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!