كلام له معنى
ظِلُّ الحمار
في صباحٍ تلتهب فيه الشمس فوق الرؤوس، خرج طبيبٌ من مدينته قاصدًا قريةً نائية، يسابق الوقت لإنقاذ مريضٍ يصارع سكرات الموت. لم يكن بحوزته وسيلة تنقّل، فاستأجر حمارًا من رجلٍ اتخذ من كراء حماره للمسافرين مصدر رزقه. اتفقا على الأجرة، وشدّا الرحال معًا.
كان الطريق طويلًا موحشًا، والشمس تتساقط من عليائها كأنها لهيبٌ لا يرحم. وحين اشتد القيظ، ترجّل الطبيب عن ظهر الحمار، ووقف مستظلًا بظله الصغير يلتقط أنفاسه لدقائق معدودة.
راقبه صاحب الحمار بعينٍ حادة، ثم انفجر غاضبًا: "ماذا تفعل؟!"
فأجاب الطبيب بدهشة: "أستظل... أما ترى وهج الشمس؟"
فرد الرجل بحزم: "لقد استأجرتَ الحمار، لا ظلّه!"
ظن الطبيب أن الأمر مزحة عابرة، فضحك، غير أن الرجل كان جادًا كل الجدّية. أضاف: "إن أردت الاستظلال، فذلك يستوجب أجرًا إضافيًا." رفض الطبيب هذا المنطق العجيب، وأصرّ صاحب الحمار على موقفه، فامتنع عن مواصلة السير.
وهكذا، من خلافٍ عابر بين رجلين، وُلدت حكايةٌ ستكتب فصولها القادمة تاريخًا من العبث.
تجمّع حول الرجلين بعض المارة، فانقسمت الآراء: قال قائل: "الحق مع الطبيب"، وخالفه آخر: "بل الحق مع صاحب الحمار." وفي غضون ساعة، غصّ الطريق بالمتفرجين والمتجادلين. ومع حلول المساء، لم يعد حديث المدينة سوى "قضية ظل الحمار".
انبرى الصحفيون يحررون المقالات، وأقام المحللون مناظراتٍ ساخنة، وتصدّر الخبراء الشاشات يشرحون "فلسفة الظل" بلغةٍ رصينة، حتى غدت المسألة قضية رأي عام بامتياز. وفي قاعات المحاكم، وقف المحامون يتقاذفون الحجج: أثبت أحدهم أن الظل جزءٌ لا يتجزأ من كيان الحمار، وأثبت آخر أنه منفعة مستقلة يستوجب دفع ثمنها. وصفّق الجمهور لكل طرفٍ بحماسة، وانصرف كل فريقٍ مقتنعًا بأنه الظافر.
ثم دخل السياسيون على خط الأزمة، وأصدرت الجمعيات بياناتها الرسمية، وتشكّلت لجانٌ للدفاع عن حقوق أصحاب الحمير، وأخرى للدفاع عن حقوق المستأجرين. انقسم الناس شيعًا وأحزابًا، ونسي الجميع أن ثمة طبيبًا في الأصل، وأن مريضًا كان ينتظر يد الشفاء.
تصاعدت حدة الخلاف، فتحوّلت الكلمات إلى شتائم، والشتائم إلى اعتداءات، حتى أُحرقت المحال التجارية، وتهدّمت البيوت، وسالت الدماء في الشوارع. وفي خضم هذا الجنون الجماعي، لفظ المريضُ الذي خرج الطبيب أصلًا لإنقاذه أنفاسه الأخيرة، دون أن يلتفت إليه أحد، فقد كان الجميع منشغلين... بظل الحمار.
وبعد أيامٍ من الفوضى، لم يبق من المدينة سوى الركام والخراب. جلس الطبيب وصاحب الحمار وسط الأنقاض، يتبادلان النظرات في صمتٍ مطبق وثقيل. أما الحمار، فقد ظل واقفًا على مقربة منهما، ينهق بصوتٍ عالٍ، كأنه يسائل العالم بأسره: "أحقًّا أنا الحمار الوحيد في هذه القصة؟"
لكن الحقيقة المرّة أن الحمار لم يكن وحيدًا في هذه المأساة. فالحمير ليست دائمًا تلك الدواب التي تُثقل ظهورها بالأحمال، بل قد تكون أحيانًا العقول التي تسمح لقضيةٍ تافهة أن تستنزف وقتها، وتُشغل تفكيرها، وتستبيح مصالح أوطانها.
فكم من أمةٍ انشغلت بـ"قضية ظل حمار"، بينما الفساد يستشري، والأسعار تتصاعد، والتعليم ينهار، والعدالة تتراجع خطوة إثر خطوة، ووطنها يُستنزف شيئًا فشيئًا، وهي تتقاتل على أشباح لا وجود حقيقيًا لها.
ولعل أخطر ما في "ظل الحمار" أنه لا يظهر دائمًا في هيئة حمار: فقد يتقمّص صورة خبرٍ مثير، أو مباراةٍ رياضية، أو شائعةٍ عابرة، أو جدلٍ محتدم على منصات التواصل، أو معركةٍ إعلامية لا تُغيّر من واقع الناس شيئًا يُذكر.
وحين يكتشف الجميع الحقيقة أخيرًا، يكون الحمار قد رحل من زمان... ولا يبقى إلا الخراب.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!