في كل عام، حين يهلّ شهر محرم، تتجدد فصول معركة رمزية حول معنى يوم واحد من أيام السنة: العاشر من محرم. طرف يستقبله بالكحل والحناء واتساع النفقة كأنه عيد، وطرف آخر يستقبله باللطم والنحيب وتجديد جرح كربلاء كأنه مأتم سنوي. وبين هذين الطرفين ضاع الأصل النبوي البسيط لهذا اليوم: صيام شكرٍ لله، لا أكثر ولا أقل.
أصل اليوم: نجاة موسى، لا مأتم ولا عيد
الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما وصل المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن السبب، فأخبروه أنه اليوم الذي نجّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من فرعون، وأن موسى صامه شكرًا، فقال النبي ﷺ: نحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه وأمر المسلمين بصيامه. وفي رواية أخرى أن عائشة أكدت أن قريشًا كانت تصوم هذا اليوم في الجاهلية، وأن النبي ﷺ كان يصومه قبل الهجرة أصلًا، فلم يكن الأمر تقليدًا لليهود بل موافقة عرضية بين شريعتين تعودان لأصل واحد.
والحكمة معلنة بوضوح في الحديث: يوم نجاة، فصيامه شكر. وقد ثبت عنه ﷺ أنه سئل عن فضله فقال: يكفّر الله به السنة التي قبله. ثم لما اقترب من وفاته، وذُكّر بأن اليهود يعظمون هذا اليوم أيضًا، أراد أن يضيف إليه التاسع مخالفةً لهم، فمات قبل أن يأتي العام التالي. هذه هي القصة كاملة كما رواها مسلم والبخاري: صيام، شكر، رغبة في التمايز عن أهل الكتاب لا أكثر. لا عزاء فيها ولا احتفال، لا سواد ولا كحل.
كذبة "يوم الفرح": كيف اخترع خصوم أهل البيت عيدًا لم يأمر به الشرع
هنا تبدأ المشكلة التي يتجاهلها كثيرون: ما يفعله بعض أهل السنة اليوم من تخصيص عاشوراء بالكحل والاغتسال والحناء والتوسعة في الطعام وكأنه عيد، لا أصل له في السنة الصحيحة، بل هو في صلب ما حذّر منه كبار علماء أهل السنة أنفسهم. شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه، وهو ليس من المتساهلين في الحكم على البدع، حسم القول بأن كل ما يُروى من فضل الكحل أو الخضاب أو الاغتسال أو المصافحة أو مسح رأس اليتيم في هذا اليوم كذب على النبي ﷺ، وأن هذه الأفعال بدعة لا يستحب منها شيء عند أئمة الدين.
والأهم من ذلك أن ابن تيمية فسّر السياق التاريخي لهذه الأكذوبة بصراحة لا تقبل المراوغة: أصل هذه البدعة أن الشيعة ابتدعوا الحزن والمآتم بعد استشهاد الحسين، فلما أوغلوا في ذلك، ابتدع بعض النواصب المبغضين لأهل البيت أفعالًا في مقابلتهم تُظهر الفرح والسرور، فكان الفعلان معًا بدعة. بعبارة أخرى: لم تكن طقوس "الفرح" هذه موجودة قبل كربلاء، بل وُلدت كردّ سياسي-طائفي على حزن آخرين، فهي ابنة شرعية لمنطق المعارضة لا منطق الدين. وقد فصّل علماء الحديث في هذا الحكم: فالحديث المشهور "من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام، ومن اكتحل لم يرمد ذلك العام" حُكم عليه بأنه كذب مختلق باتفاق من يعرف علم الحديث، حتى نسبه بعض الحفاظ إلى وضع غلاة النواصب أنفسهم.
فإذا كان أحد يحتفل بعاشوراء "ليغيظ الشيعة"، أو ليُظهر أنه على النقيض منهم، فهو لا يتعبّد بسنة، بل يتعبّد بردّة فعل طائفية اكتسبت قداسة زائفة بمرور القرون.
كربلاء: المأساة الحقيقية التي تحوّلت إلى مشروع سياسي للحزن
في المقابل، لا يمكن لأي حديث متوازن عن عاشوراء أن يتجاوز ما جرى فعلًا في هذا اليوم سنة 61 هجرية: استشهاد الحسين بن علي، سبط النبي ﷺ، مع نحو سبعين من أهل بيته وأصحابه في كربلاء، على يد جيش أرسله عبيد الله بن زياد بأمر يزيد بن معاوية. هذه ليست رواية شيعية مختلقة، بل وقائع مدوّنة عند الطبري وابن كثير وغيرهما من مؤرخي أهل السنة أنفسهم: مقتل الحسين، وسبي نسائه، وحمل رأسه إلى الكوفة ثم دمشق. حتى يزيد بن معاوية، في الرواية التي أوردها الطبري، أُثر عنه أنه تبرأ من القرار وبكى حين بلغه الخبر، ولعن من نفّذه، وإن كان كثير من المؤرخين يرون في ذلك تبرؤًا متأخرًا لا يُسقط مسؤوليته السياسية عن الجيش الذي وجّهه أصلًا لقتال الحسين.
المأساة حقيقية، والحزن عليها مشروع إنسانيًا وأخلاقيًا. لكن المشكلة ليست في الحزن نفسه، بل في تحويله إلى شعيرة دينية سنوية ذات طابع جماعي وتعبّدي ابتُدعت بعد الحادثة بزمن، ولم تكن جزءًا من هدي النبي ﷺ ولا من سنة الصحابة. وهنا يعيدنا ابن تيمية إلى نفس الميزان: فكما أن أحاديث "الفرح" مكذوبة، فإن ما يفعله بعض الناس من النياحة والندب والمأتم وسبّ الصحابة هو أيضًا من أعظم البدع والمنكرات. بل إن العلماء قسّموا الطرفين معًا في خانة واحدة: "فالطرفان مبتدعان، الطرف الذي يجعل يوم عاشوراء يوم حزن ومأتم وتفريق بين الأمة وسبّ للصحابة، والطرف الذي يقابله فيجعله يوم فرح وسرور".
أما ما تطور لاحقًا من ممارسات الغلو في المأتم -من اللطم الجماعي إلى ضرب الرؤوس بالسلاسل والسيوف (التطبير) حتى سيلان الدماء أمام الكاميرات- فهذا تجاوز حتى عند كثير من علماء الشيعة المعاصرين أنفسهم، الذين اعتبروه إضرارًا بالنفس لا أصل له في إحياء ذكرى الحسين، بل تشويهًا لصورة قضية كانت في جوهرها قضية كرامة ورفض للظلم، لا استعراض جراح.
الخلاصة: عاشوراء يوم تعبّد فردي، لا ساحة استقطاب جماعي
ما يجمع بين "غلاة الفرح" و"غلاة الحزن" أنهم، من زاويتين متعاكستين، صادروا يومًا تعبّديًا بسيطًا وحوّلوه إلى راية يُعرف بها كل طرف نفسه في مواجهة الآخر. الأول لم يخترع عيدًا، بل اخترع سلاحًا رمزيًا يُشهره في وجه خصمه المذهبي. والثاني لم يُخلّد مأساة، بل حوّلها إلى مسرح سنوي يُعاد فيه نزف الجرح أمام الكاميرات، كأن الحسين لم يُقتل إلا ليُستثمر موته إلى الأبد.
والمفارقة الكبرى أن كليهما، في غلوّه، خان القضية التي زعم الدفاع عنها. فمن "يحتفل" بعاشوراء إنما يحتفل، شاء أو لم يشأ، بانكسار سُنّ على ظهر مأساة حقيقية. ومن يُسيل دمه في الشوارع كل عام إنما يستبدل عبرة الحسين -الذي ثار على الظلم بكرامة لا بجَلَد ذاتي- بمشهدية لا تُقنع أحدًا ولا تُحيي قضية، بل تُشبعها استهلاكًا.
الحقيقة التي يتهرب منها الجميع: عاشوراء لا يحتاج إلى من "يملكه". هو يوم تعبّد فردي وصامت، بين العبد وربه، يُذكّر بأن النجاة من الظلم تستحق الشكر، وأن سفك الدم -أيًا كان مصدره، يزيد بن معاوية أم سيف يُضرب به الرأس طوعًا- لا يصنع منه أحد قداسة. من أراد أن يتذكر الحسين، فليتذكره بالعدل لا بالنحيب، وبالكرامة لا بالاستعراض. وهذا، في النهاية، هو الدرس الوحيد الذي يستحق أن يبقى من كل هذا التاريخ المثقل بالدم والكذب على حدّ سوا
✍️ رضا الحكيم الشعيري
دين وحياة – طنجة الأخبار

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!