عاملات الليل بالمناطق الصناعية..

عاملات الليل بالمناطق الصناعية..

عاملات الليل بطنجة.. حين ينتهي العمل وتبدأ رحلة الخوف في شوارع مظلمة

لا تنتهي معاناة بعض العاملات بالمناطق الصناعية في طنجة عند انتهاء ساعات العمل، بل تبدأ مرحلة أخرى من يومهن، حين يغادرن المصانع في ساعات متأخرة من الليل أو مع بزوغ الفجر، ويجدن أنفسهن أمام طرقات خالية، وشوارع تفتقر في بعض المقاطع إلى الإنارة الكافية، في رحلة يومية لا تقل صعوبة عن ساعات العمل نفسها.

بالنسبة إلى عاملة المصنع، لا يتعلق الأمر فقط بالوصول إلى مكان العمل في الوقت المحدد أو الحصول على أجرتها في نهاية الشهر، بل يتعلق أيضاً بحقها في العودة إلى منزلها بأمان. فالمدينة التي تستفيد من عمل نسائها ومساهمتهن في الإنتاج، مطالبة بأن توفر لهن الحد الأدنى من شروط التنقل الآمن، بعيداً عن الخوف والمخاطر التي قد تفرضها العتمة والعزلة.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز مجرد وجود مصابيح مضاءة أو أعمدة إنارة معطلة: من المسؤول عن سلامة الطريق الذي تسلكه العاملات يومياً؟ وهل تواكب البنية التحتية المحيطة بالمناطق الصناعية طبيعة العمل الذي يمتد إلى ساعات الليل والفجر؟

وتزداد خطورة هذا الوضع بالنظر إلى الشهادات المتداولة عن تعرض عدد من العاملات للسرقة أثناء عودتهن في هذا التوقيت، فيما تعرضت عاملة أخرى للاعتداء بسبب هذا الخلل، ما يؤكد أن الأمر لا يتعلق فقط بشعور عابر بالخوف، بل بمخاطر حقيقية تهدد سلامتهن الجسدية وممتلكاتهن.

المسؤولية في هذا الجانب لا يمكن اختزالها في جهة واحدة. فالجهات المختصة بتدبير الإنارة العمومية والطرقات مطالبة بتحديد المقاطع التي تعرف ضعفاً في الإضاءة، وصيانة التجهيزات، وضمان استمرارية الإنارة في المسارات التي تعرف حركة العاملات والعاملين خلال ساعات غير اعتيادية. كما أن التخطيط الحضري ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار أن المناطق الصناعية ليست فضاءات للإنتاج فقط، بل أماكن ترتبط بها يومياً حركة بشرية تحتاج إلى طرق آمنة ووسائل نقل مناسبة.

وفي المقابل، تتحمل الشركات مسؤولية اجتماعية لا ينبغي أن تنتهي عند باب المصنع. فحين تفرض طبيعة الإنتاج العمل الليلي، يصبح من الضروري أن تساهم المقاولات، كل حسب إمكاناتها وطبيعة التزاماتها، في البحث عن حلول عملية، من قبيل تنظيم النقل الجماعي للعاملات، وتوفير نقاط تجمع آمنة ومضاءة، والتنسيق مع الجهات المختصة بشأن المسارات الأكثر استعمالاً. وقد تكون هذه المبادرات أكثر إلحاحاً عندما يتعلق الأمر بمناطق صناعية بعيدة عن التجمعات السكنية أو يصعب الوصول إليها في الساعات المتأخرة.

ولا يعني ذلك إعفاء الجهات العمومية من مسؤولياتها، كما لا يعني تحميل الشركات وحدها أعباء اختلالات تتعلق بالبنية التحتية والخدمات العامة. المطلوب هو توزيع واضح للمسؤوليات، وتنسيق فعلي يجعل سلامة العاملات جزءاً من تدبير المجال الصناعي، لا مجرد تفصيل مؤجل إلى حين وقوع حادث أو تسجيل شكوى.

ومن الإنصاف أيضاً الإشادة بكل مقاولة تحرص على توفير النقل لمستخدميها، وبكل جهة تتدخل لصيانة الإنارة وتحسين الطرق والمسارات المحيطة بالمناطق الصناعية. فهذه الممارسات تستحق التثمين، ليس لأنها تعوض ما قد ينقص من خدمات أخرى، بل لأنها تعكس فهماً حقيقياً لقيمة الإنسان الذي يقف خلف أرقام الإنتاج ومؤشرات الاستثمار.

إن التنمية الصناعية لا تقاس فقط بعدد المصانع أو حجم الصادرات أو فرص الشغل التي تخلقها، بل كذلك بمدى قدرة العامل والعاملة على الوصول إلى عملهما والعودة منه دون أن تتحول الطريق إلى مصدر إضافي للقلق والخطر.

فإذا كانت طنجة تطمح إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية والصناعية، فإن حماية العاملات في ساعات الليل والفجر ينبغي أن تكون جزءاً من هذا الطموح. لأن المدينة التي تحتاج إلى يد المرأة في الإنتاج، لا يمكنها أن تتجاهل حقها في الأمان خارج أسوار المصنع.

ويبقى السؤال الذي يستحق جواباً عملياً: هل توجد خريطة واضحة للمسارات التي تسلكها العاملات ليلاً، ومن يتولى مراقبة إنارتها وصيانتها، وما الإجراءات التي يمكن اتخاذها بشكل مشترك بين السلطات والشركات لضمان عودة آمنة إلى البيوت؟

طنجة الأخبار
بقلم:

طنجة الأخبار

طنجة الأخبار طنجة الأخبار جريدة إلكترونية مغربية و موقع إخباري شامل ومستقل، تعرفوا على آخر الأخبار من المغرب والعالم عبر موقعنا

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك