حفنة فاكية بعشرة أشهر حبسا.. ومليارات في صندوق سيارة بلا حساب؟
في ساحة جامع الفنا بمراكش، حيث تلتقي أصالة المغرب بعيون السياح القادمين من أقاصي الأرض، كانت حفنة لا يتجاوز وزنها خمسين غراما من التمر والفول السوداني وشرائح الفواكه المجففة كافية لتطيح ببائع بسيط خلف قضبان السجن لعشرة أشهر كاملة، حبسا نافذا لا معنى فيه للتأجيل أو الرأفة. طلب الرجل من سائح أجنبي مائتي درهم ثمنا لتلك الحفنة، فكانت النتيجة حكما قاسيا من المحكمة الابتدائية بمراكش، جاء في سياق حملة تشنها السلطات المحلية على "الممارسات العشوائية" بالساحة الشهيرة، حيث أُغلقت عربات بيع الفواكه الجافة والعصير الواحدة تلو الأخرى.
لا أحد يجادل في أن ما فعله البائع مرفوض. فهو حين يستغل سذاجة سائح لا يعرف الأسعار المحلية، أو حين يستدرجه إلى مساومة غير متكافئة، إنما يسيء إلى صورة لم يبنِها المغرب في يوم وليلة، بل شيّدها عبر عقود من الاستثمار في قطاع السياحة، ومن جهود دؤوبة لتسويق الضيافة المغربية كقيمة مضافة لا تقل عن جمال الطبيعة وعبق التاريخ. غير أن السؤال الذي فرضته وقائع الأيام الأخيرة، وأثار موجة استياء واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، هو: هل يستحق بائع بسيط أخطأ في حق سائح واحد كل هذا الحزم القضائي، بينما يبقى من يُتَّهمون بابتلاع مليارات من المال العام أحرارا طلقاء، أو في أحسن الأحوال رهن تحقيقات تراوح مكانها؟
فمنذ أيام، فجّر محامي البرلماني السابق رشيد الفايق، وهو يتحدث من داخل أطوار قضية يخوضها موكله، تفاصيل وصفها بـ"الخطيرة"، مؤكدا أن موكله شاهد بأم عينه حزما من الأوراق النقدية في صندوق سيارة "فولفو" رمادية اللون، قدّر قيمتها بسبعة مليارات سنتيم، أي ما يقارب سبعين مليون درهم، ونسب هذه الواقعة إلى محمد شوكي، الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار. ولم تتوقف الاتهامات عند هذا الحد، إذ تحدث الدفاع عن مبالغ أخرى قدرها 800 مليون و200 مليون سنتيم، زعم أنها ارتبطت بتمويل حملات انتخابية، فيما استحضرت التصريحات نفسها أسماء وازنة أخرى في المشهد السياسي، من قبيل رئيس مجلس النواب راشد الطالبي العلمي والوزير مصطفى بايتاس. النيابة العامة بفاس، من جهتها، أعادت فتح ملف شكاية الفايق ضد شوكي على ضوء معطيات جديدة، في مؤشر على أن الملف لم يُغلق بعد، وإن كان يتعين التذكير بأن ما ورد لا يزال في خانة الاتهامات التي يسوقها الدفاع، ولم يرقَ بعدُ إلى درجة الحكم القضائي البات.
ومع ذلك، يبقى مجرد طرح هذه الأرقام أمام الرأي العام كافيا لإثارة سؤال مشروع: أي عدالة هذه التي تُنزل أقسى العقوبات على من سرق مائتي درهم من جيب سائح، بينما تتعثر في مساءلة من تُنسب إليهم مليارات كاملة؟ إن بائع الفاكية، على قبح فعلته، لم يخنّ سوى زبون عابر، أما من يُشتبه في تلاعبهم بالمال العام أو بتمويل الحياة السياسية بطرق ملتوية فإنهم يخونون عقدا أكبر وأخطر: عقد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وعقد الثقة بين المغرب والعالم الذي يراقب كيف تُدار شؤونه العمومية. فإذا كانت حفنة الفاكية قد شوّهت انطباع سائح واحد عن كرم الضيافة المغربية ليوم واحد، فإن الفساد الكبير، حين يثبت وحين يُتستّر عليه، يشوّه صورة بلد بأكمله أمام المستثمرين والشركاء والمنظمات الدولية، ويقوّض سنوات من العمل الجاد الذي بذلته أجيال من المغاربة لتحسين تصنيف بلدهم في مؤشرات الحكامة والشفافية.
لسنا هنا في معرض المطالبة بالتساهل مع بائع استغل سائحا، فالقانون يجب أن يُطبَّق على الجميع، والصرامة في حماية السياح وصورة الوجهة السياحية المغربية أمر مشروع بل واجب. لكن الصرامة نفسها، لتكون عادلة، يجب ألا تكون انتقائية، تنقضّ بكامل ثقلها على الضعيف الذي لا سند له ولا محاماة تليق بمقامه، بينما تتلكأ حين يتعلق الأمر بأسماء نافذة ومحمية بموقعها الحزبي أو السياسي. فالعدالة التي تُقاس بموازين مزدوجة، سريعة مع الصغار، متمهلة مع الكبار، هي بالضبط ما يغذي شعور المواطن بأن القانون سوط يُرفع في وجه الضعفاء فقط، وأن أصحاب النفوذ يملكون هامشا من الإفلات لا يُتاح لغيرهم.
يبقى السؤال معلقا في وجدان كل مغربي غيور على بلده: متى يتحول التحقيق في ملفات المليارات المزعومة إلى محاكمة علنية شفافة، بنفس السرعة التي حُوكم بها بائع حفنة الفاكية؟ فالمغرب الذي يسعى إلى ترسيخ دولة القانون لن يكتمل بناؤه إلا حين تتساوى كفتا الميزان: كفة الفقير الذي أخطأ في حق سائح، وكفة القوي الذي يُشتبه في أنه أخطأ في حق وطن بأكمله.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!