عمدة طنجة والهاتف المغلق… أسئلة تتجاوز الاعتقال

عمدة طنجة والهاتف المغلق… أسئلة تتجاوز الاعتقال

أعاد توقيف منير ليموري، عمدة طنجة، ملف المسؤولية السياسية إلى الواجهة، بعدما أوقفته السلطات عند عودته من إسبانيا، على خلفية التحقيقات المرتبطة بشبهات طالت العملية الانتخابية. وبحسب تقارير صحفية، تعذّر الاتصال به بسبب إغلاق هاتفه، فيما قال إن سفره كان مبرمجًا ونفى أن يكون هروبًا من البحث القضائي.

بعيدًا عن الحسم في الاتهامات، الذي يبقى من اختصاص القضاء، تفرض هذه المعطيات سؤالًا سياسيًا لا يمكن القفز عليه: كيف يُعقل أن يتعذّر الوصول إلى المسؤول المنتخب الأول بالمدينة في لحظة تستدعي الحضور والتوضيح؟

إغلاق الهاتف، إن ثبت أنه كان متعمدًا لتفادي التواصل مع السلطات، ليس تفصيلًا عابرًا في سلوك مسؤول بهذا الحجم. فالمنصب العمومي يفرض التزامات تتجاوز ساعات العمل، وتزداد أهميتها عندما تجد المدينة نفسها أمام قضية تمس الثقة في انتخاباتها ومؤسساتها. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الصمت موقفًا يُفسَّر، والغياب فراغًا تملؤه الشكوك.

لكن هل كان تعذّر الاتصال بالعمدة من بين العوامل التي عجّلت بتطور الأحداث؟ وهل توجد معطيات لم تُعلن بعد تساعد على فهم ما جرى؟ هذه أسئلة مشروعة، غير أن المتاح علنًا لا يسمح بالجزم بأن الهاتف المغلق كان سببًا للاعتقال، أو بأن قرارًا خفيًا وراءه. ومن حق الرأي العام طلب التوضيح، دون تحويل الاحتمالات إلى وقائع.

أما الحديث عن إغلاق الهاتف «على أصحاب القرار»، فيحمل سؤالًا أعمق من مجرد الرد على اتصال: كيف يفهم المسؤول المنتخب علاقته بالمؤسسات؟ إن واجب التواصل لا ينبغي أن يكون رهين قوة المتصل أو نفوذه؛ فالمسؤول مطالب بأن يكون حاضرًا أمام الجهات المختصة، وواضحًا أمام المواطنين الذين يمثلهم أيضًا.

وسواء كان السفر إلى إسبانيا مبرمجًا كما قال العمدة، أو أحاطت بظروفه معطيات أخرى سيكشفها التحقيق، فإن توقيته يظل قابلًا للنقاش السياسي. لكن وصفه بالهروب يحتاج إلى دليل؛ فالمساءلة الجادة تستمد قوتها من دقة الوقائع، ومن أسئلة لا تستطيع الأجوبة العامة تجاوزها.

في تقديري، ما تكشفه هذه القضية هو الحاجة إلى مراجعة تصور بعض المنتخبين للمسؤولية: المنصب ليس حضورًا في المناسبات واختفاءً عند الأزمات. ومن يتولى رئاسة مدينة بحجم طنجة مطالب بأن يشرح، وأن يتواصل، وأن يتحمل تبعات اختياراته أمام الناس.

يبقى منير ليموري متمتعًا بقرينة البراءة، ويبقى للمواطن حق مساءلته سياسيًا. فلا الاعتقال حكم بالإدانة، ولا انتظار كلمة القضاء سبب لتعليق النقاش حول أداء المسؤولين.

طنجة تستحق مسؤولًا حاضرًا حين تشتد الأسئلة، بقدر حضوره حين تُلتقط الصور.

بقلم:

رضا الحكيم الشعيري

رضا الحكيم الشعيري، كاتب وروائي وإعلامي ومقاول مغربي من مدينة طنجة، والمدير العام لجريدة «طنجة الأخبار» الإلكترونية، والمشرف على «مجموعة الشعيري للإعلام والنشر». يجمع في مساره بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي وإدارة المشاريع. تتنوع كتاباته بين المقال الصحفي والتحليل والرواية والقصة والكتابة الفكرية، مع اهتمام بقضايا المجتمع والاقتصاد والتنمية والتحولات التي يشهدها المغرب. وتمنحه تجربته في المقاولة منظورًا عمليًا لفهم تحديات العمل والإدارة وعلاقتها بالحياة اليومية. ومن خلال مسؤولياته الإعلامية وإصداراته الأدبية والفكرية، يواصل الكتابة عن الإنسان وواقعه وأسئلته، مستعينًا بالتحليل حينًا وبالسرد والخيال حينًا آخر.

📣 مساحة إعلانية مخصصة (كود Google AdSense أو بنر إعلاني خارجي)

التعليقات والمناقشات (0)

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلق!

مرحبا بكم في مساحة التعليقات

نؤمن بأهمية الحوار المتبادل والحر، ومن أجل الحفاظ على بيئة نقاش راقية ومفيدة للجميع، يرجى مراجعة شروط وإرشادات التعليق قبل المشاركة...

اطلع على ميثاق الاستخدام

اترك تعليقك أو وجهة نظرك